افتتاحية

تلفزيونٌ لا يشبهناَ

في بلدٍ يتغير كل صباح، يتقدم أجياله نحو المستقبل بعزيمة، ويتهيأ لتنظيم تظاهرات دولية كبرى خلال السنوات القادمة، ما زال التلفزيون العمومي يصرّ على أن يبقى أسير زمنٍ بائد، لا يشبه المغاربة، ولا يعكس انتظاراتهم، ولا يلبي تطلعاتهم. كيف يمكن لمنظومةٍ يترأسها نفس الرجل، فيصل العرايشي، منذ أزيد من ربع قرن أن تقدم وجهاً جديداً للمغرب؟ كيف لمؤسسة كهذه أن ترافق تحولات وطن، وهي غارقة في أعطاب الهيكلة والعقلية والبشر؟

فوق هذا الجمود القاتل، تطفو فضائح لا يمكن لعاقل أن يتجاهلها. مدير الموارد البشرية الذي يفترض فيه صيانة شرف الوظيفة العمومية، غارق حتى الأذنين في ملف شبهات تضارب المصالح لفائدة مسؤول وأخته ، شأنه شأن صديقه ‘الجديد’ مدير موقع SNRTNews الذي اقترف واحدة من أكبر فضائح السنة بنشر خبر زائف عن وفاة إعلامية وممثلة مغربية. أسرة المعنية لم تسكت، وردت في بيان رسمي فضحت فيه المستوى “المهني” للموقع العمومي، وللأسف هذا المدير لم يُعاقب، بل تمت مكافأته بمنصب يدر عليه الملايين شهرياً. أليس هذا استهزاءً بالرأي العام؟ أليس هذا ازدراءً للكفاءات وللأخلاق المهنية؟

المأساة لا تتوقف هنا. المصيبة أن رئيسته المباشرة، التي تؤشر على أجرته الشهرية، هي نفسها التي وقعت في نفس الوقت، قبل شهور ،على صفقة إنتاج سمعي بصري باسم الشركة التي تملكها زوجة المسؤول. أليس هذا قمة تضارب المصالح؟ أليس هذا ضرباً في مقتل لنزاهة المرفق العمومي؟ كيف يُعقل أن تمر مثل هذه الوقائع بلا مساءلة ولا تحقيق؟

عندما تجرأنا على كشف هذه الحقائق في وقت سابق، لم يجد هؤلاء غير التهديد بسلاح القضاء. بلا خجل ولا حياء، هرول صاحب الفضيحة إلى المحاكم، ظناً منه أن الأحكام ستخنق صوت الصحافة الحرة. نعم، قضت المحكمة بأداء مائة ألف درهم، دون أن أنبس ببنت شفة، ودون دفاع حاضر، ودون الوصول لنقطة تضارب المصالح ،والملف اليوم بين يدي محكمة الاستئناف، وقد يصل إلى النقض، وللقضاء الكلمة الفصل، ونحن نحترم المؤسسات القضائية، لكن الأقلام لا تُكسر، ولا تجف، ولو تكالب المتكالبون،وهم معروفون عندنا واحدا واحدا،بالصفات والأسماء يجمعهم الإنتاج والإعلام والسياسة .

لم يعد الأمر اليوم يحتمل الصمت، ولا التواطؤ، ولا التستر. هذا التلفزيون لا يعكس المغرب الجديد، ولا صوته، ولا صورته. هذه المؤسسة العمومية، التي تعيش على أموال دافعي الضرائب، تستحق تطهيراً شاملاً، ومراجعة جذرية، تنطلق من فتح ملفاتها أمام النيابة العامة، والمجلس الأعلى للحسابات، ومجلس المنافسة والمفتشية المالية، حتى يعرف كل مغربي أين تُصرف دراهمه، ومن يتلاعب بها، ومن يبددها دون خجل.

ما يحدث في التلفزيون العمومي المغربي فضيحة دولة، لا بد أن تنتهي. كفى من مؤسسات عتيقة، كفى من محميات مغلقة، كفى من الحصانة غير المشروعة. المغرب الذي يستعد لاستضافة تظاهرات عالمية لا يمكنه أن يقبل بتلفزيون لا يشبهه، ولا يليق به.