بلا قيود

ماذا لو نادانا الوطن؟

في طريقي إلى أحد الأماكن الهادئة في المدينة -بيتي- أراقب وجوه المارة، أعلم قد تكون عادة فضولية لكن انتظر لا تلقي أحكاما فالغاية نبيلة، تلك هواية رافقتني منذ الصغر، لطالما تمنيت أن أعبر الأجساد لأعلم ما تخفيه الملامح من قصص وجروح.

تفاجئني الوجوه، لا يمكنك أن تتخيل يا صديقي كمية البؤس التي تعلو مُحَيَّانا، شباب في زهرة الحياة يظهر عليهم التعب، الألم، سحنتهم مثقلة بالوجع، بالذنب…

هل أصبحنا أكثر هشاشة من أجدادنا؟ هل هزمتنا الحياة؟ ألم نكن على استعداد لمواجهة ما سُلِّمنا إليه؟ أم أن الحياة غدت أكثر قسوة؟

أعتذر منك يا صديقي إن كنت تنتظر إجابة على ما سلف، على غير العادة، لا إجابة اليوم!

تخيفني هشاشة هذا الجيل، تجعلني أتساءل إذا ما كنا أهلاً بالمسؤولية، عبء الحفاظ على النفس، على الأهل، وعلى الوطن.

ماذا لو ضاق الحال ونادانا الوطن؟ هل نلبي النداء؟ هل نكون بنفس وطنية أجدادنا؟ الحمية ذاتها؟

هل نفديه بدمائنا وأرواحنا دون أن يرفّ لنا جفن؟

أشكّ!

نعم، أقولها مجاهرة، أشكّ!

لأن من لم يتحمل نفسه، من خان صحته، من أهمل روحه، من ترك روحه تتآكل على أرصفة الفراغ، من يتخلف عن المواجهات الصغيرة يوميًا، كيف سيواجه المعركة الكبرى؟

من أرهقه اختيار مهنة، من يخاف الالتزام، من يتلعثم أمام الحب، من ينكسر من كلمة، كيف سيقف في وجه العدو؟

أعلم، لم نختر هشاشتنا بكامل إرادتنا، نحن أبناء جيل مشروخ، وُلد بين الحروب الإعلامية والانهيارات النفسية، بين صراعات الهوية وسط عالم لا يرحم.

لكن… هل يعفينا ذلك من المسؤولية؟

هل يُعفينا من حمل الراية؟

هل يُبرر أن نكون الظل الباهت لأسلافنا، لا صوت لنا، لا أثر، لا صدى؟

في الطريق إلى البيت، رأيت شابًا يضحك وهو يمسك هاتفه، عيونه لا تشارك شفتيه الضحكة، بدت منهكة. شعرت أنه مثلي، مثلك، مثل كثيرين…‎نضحك ونعلم أن الضحكة لا تدوم. مجرّد هدنة مع الوجع.

لكن، رغم كل شيء، ما زلت أؤمن أن الهشاشة ليست عيبًا، إن عرفنا كيف نحولها إلى قوة، إلى وعي، إلى حذر نبيل.

أن ننهض رغم الإنهاك، أن نصرخ رغم الصمت، أن نقول: “نعم، نحن هشّون، لكننا نحاول”.

وهذا، يا صديقي، أكثر ما يمكن أن نفعله اليوم. نحاول. وربما، ذات يوم، يكون ذلك كافيًا.