غياب الحصيلة الرقمية للقناة الثانية..غموض يلف ميزانيات عمومية واحتقان داخلي

في ظل تسارع التحولات التي يعرفها المشهد الإعلامي الرقمي في المغرب، تزداد الحاجة إلى مزيد من الشفافية والمساءلة، خاصة حين يتعلق الأمر بوسائل إعلام عمومية تموَّل من جيوب دافعي الضرائب. وفي هذا السياق، يطرح غياب الحصيلة الرقمية لموقع القناة الثانية (2m.ma) أكثر من سؤال حول نجاعة هذا المنبر الرقمي، ومدى التزامه بالمبدأ الدستوري لربط المسؤولية بالمحاسبة.
فعلى الرغم من أن موقع “زون24” الصحفي وجه، بتاريخ 6 ماي 2025، سؤالاً مباشراً إلى عادل الشقيري، المسؤول الأول عن الموقع الرسمي للقناة الثانية، بخصوص حصيلة العمل الرقمي، إلا أن الأخير اختار تجاهل السؤال ولم يبد أي رغبة في التفاعل أو الكشف عن معطيات من شأنها أن تنير الرأي العام، وتوضح للمواطنين مصير أموالهم المستثمرة في هذا المشروع الإعلامي العمومي.
تتزامن هذه الواقعة مع حالة احتقان يعيشها موقع “2m.ma”، منذ أسابيع، بسبب غموض الخط التحريري وضعف التفاعل مع التطورات الرقمية، وغياب مؤشرات واضحة حول نسب الوصول والتأثير، وهو ما يدفع إلى طرح تساؤلات حول مصادر الأخبار المعتمدة داخل الموقع، وجودتها، وحجم الكفاءات التي تشرف عليه.
ولا يقتصر الغموض على موقع القناة الثانية فحسب، بل يمتد ليشمل أيضاً موقع SNRT News التابع للشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، والذي يُصرف عليه من المال العام ملايين السنتيمات شهرياً، دون أن ينعكس ذلك على حضور رقمي مؤثر أو على جودة المحتوى الإخباري المقدم، وهو ما يثير مخاوف من وجود مشاريع إعلامية “صورية” لا تحقق العائد المأمول رغم كلفتها الباهظة.
ورغم هذه الملاحظات، لا يمكن إنكار الدينامية الجديدة التي بدأت تعرفها نشرات الأخبار بالقناة الثانية، حيث تم الاستعانة بعدد من المحللين الجدد وأساتذة جامعيين ساهموا في تجويد المحتوى وتقديم قراءة أعمق للأحداث، بالمقارنة مع مرحلة سابقة كانت تهيمن فيها أسماء محسوبة على محيط سميرة سيطايل، السفيرة الحالية للمغرب في باريس، عندما كانت المسؤولة الأولى عن مديرية الأخبار.
وفي هذا السياق، يُحسب لحميد ساعدني المردود الإيجابي الذي باتت تبصم عليه النشرات الإخبارية من حيث الإخراج والمحتوى، في تجربة تحاول إعادة الثقة في المنتوج الإخباري التلفزي العمومي، حتى وإن كان ذلك لا يعفي المؤسسة من واجب الشفافية والمساءلة حول أدائها الرقمي.
إن الإعلام العمومي لا يمكن أن ينفصل عن منطق الحكامة الجيدة، خاصة في ظل ثورة الإعلام الرقمي وتغير أنماط الاستهلاك. لذلك، فإن غياب الحصيلة الرقمية عن منصات رسمية كـ”2m.ma” أو “SNRT News”، يُعد مؤشراً سلبياً على غياب تصور استراتيجي واضح، ويُضعف ثقة الجمهور في مؤسسات يُفترض أنها تمثله وتعبر عنه.
من هنا، فإن أقوى رسالة يمكن أن تبعث بها هذه المؤسسات للرأي العام اليوم، هي الشفافية: نشر معطيات دقيقة عن نسب المشاهدة، وتكاليف التسيير، ومصادر المحتوى، وعدد العاملين، والتفاعل مع الملاحظات النقدية للمهنيين والمواطنين على حد سواء. فبدون ذلك، تبقى الشعارات مجرد كلمات جوفاء، ويبقى الإعلام العمومي رقماً غامضاً في معادلة تحتاج اليوم إلى وضوح أكثر من أي وقت مضى.


