فراقشي الجامعة

انتهت “عبقرية” أحمد قيلش أخيراً، وافتُضح أمره أمام الجميع: ثروة خيالية، وسلوكيات فاسدة، وشبكة من العلاقات جعلته يتصرف كما لو أنه فوق القانون. اليوم، وقد وُضع تحت المجهر، لم يعد بإمكان أحد تبرير “الكاش” المتدفق عليه، ولا تلك الشهادات التي تُباع في الظل بمقابل الشاي والدراهم.
أحمد قيلش، التاجر الأكاديمي، لم يكن سوى عيّنة من سرطان يتفشى في بعض كليات المغرب. من كلية آسفي، حيث ارتكب ما شاء من تحرشات واستغلال للطالبات والأستاذات، مروراً بشبكة علاقاته مع الأمن والديك والنيابة العامة، استطاع أن يخرج من الفضائح كما تخرج الشعرة من العجين، تاركاً خلفه ضحاياه يواجهون الصمت والتجاهل.
ما يحزن ويثير الغضب، أن من تجرأوا على التدوين والاحتجاج على ممارساته، وجدوا أنفسهم خلف القضبان أو مُثقَلين بغرامات ثقيلة، وكأن الجامعات أصبحت أماكن للعقاب لا للعلم. وهذا يعيد إلى ذهني تجربة شخصية مؤلمة، حين كنت طالباً بجامعة سطات قبل خمسة عشر سنة، وكتبت عن عصابة “الجنس مقابل النقط”. فكان نصيبي الشكايات، والمتابعات، والمطاردات، وحتى الأحكام القضائية التي أرادت أن تجعل من كل يوم لي جحيماً متواصلاً.
ولم يكن قيلش ليستفرد بالطلبة والطالبات لولا هشاشة منظومة الحكامة داخل الجامعة العمومية، وغياب آليات صارمة للرقابة والمساءلة. فالاستقلالية التي تُمنح للمؤسسات الجامعية كثيراً ما تتحول، للأسف، إلى غطاء لحماية الفساد، بدل أن تكون محفزاً على الجودة. كيف يمكن لأستاذ يُراكم الثروات، ويبيع شهادات الماستر، ويتحرش بالنساء، أن يستمر في منصبه لسنوات دون تحقيق داخلي أو إجراء تأديبي؟
إن مشكلتنا ليست فقط في قيلش، بل في من سهّل له الطريق، ومن غضّ الطرف عن خروقاته، ومن حارب كل صوت شجاع حاول تعريته. المنظومة المتواطئة، من داخل الجامعة وخارجها، تُشكل الخطر الأكبر. فمتى كانت النيابة العامة عاجزة عن التحرك؟ ومتى أصبح الأمن في خدمة المتحرشين والمزورين عوض حماية الضحايا؟ نحن أمام تواطؤ طبقي مؤسساتي، وليس مجرد حالة شاذة معزولة.
ثم إن الجامعات المغربية، في عدد من المدن، أصبحت نقاطاً سوداء تُشبه السوق السوداء: تسجيلات مشبوهة، انتقالات غير قانونية، نقط تُمنح للمقربين، و”ديبلومات” تُشترى بالدرهم والنفوذ. والمصيبة أن الطلبة المتفوقين، الذين لا يملكون “ظهرًا” أو “قوة”، يُقصَون من فرص الماستر والدكتوراه، بينما تُفتح الأبواب للزبناء والموالين. وهنا، يُولد الإحباط، وتُغتال الكفاءات.
الفضيحة التي انفجرت اليوم ليست معزولة، ولن تكون الأخيرة. مصدر قضائي أكد أن لائحةً من الأسماء ستُحال على العدالة قريباً، قادمة من جامعات مختلفة. وهذا دليل على أن ما خفي أعظم، وأن الدولة إذا أرادت فعلاً إنقاذ الجامعة العمومية، فعليها أن تُطهّرها من سماسرة التعليم والمزورين والمتحرشين.
ولا، لسنا نهاجم الجامعة العمومية لنُمهّد الطريق للجامعات الخاصة، بل لأننا نؤمن أن الجامعة العمومية يجب أن تكون فضاء للعلم، لا سوقاً للمساومة. يجب أن نُخرج فُراقْشَة الجامعة من كهوفهم، وأن نُعيد للجامعة هيبتها وشرفها.


