اخشيشن..”صحابي وبس”!

قضت المحكمة الابتدائية الزجرية بعين السبع في دجنبر المنصرم بالحكم على جريدة “زون24” بـ600 ألف درهم في مواجهة اللجنة المؤقتة لتسيير شؤون قطاع الصحافة والنشر، وبعد ثلاثة أشهر من ذلك ستحكم نفس المحكمة على الموقع بـ100 ألف درهم لفائدة مدير “فريلانس” بالشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة ثم في ملف ثالث ضد ناشرة وعضو اللجنة بـ2000 درهم ودرهم رمزي. وتعرضت جريدة “آش نيوز” لمديرة نشرها الزميلة نورة الفواري للاحتقار والبلطجة من قبل المعتقلة السابقة دنيا باطمة، التي اعتدت على مصور الجريدة، دون أن يكلف عبد الكبير اخشيشن ونقابته أنفسهم إصدار أي بلاغ، ولو تدوينة على فايسبوك، يعبرون فيها عن التضامن، فقط مجرد تضامن. لكن اخشيشن يكون في الصفوف الأمامية إذا تعلق الأمر بأصدقائه المقربين والذين يوجدون في الدائرة الضيقة للنقابة.
إن صمت النقابة الوطنية للصحافة المغربية أمام الهجمات المتكررة على صحافيين مستقلين، بل وتواطؤها أحياناً بالصمت تجاه ملفات بارزة، يكشف عن منطق الولاءات الضيقة الذي يحكم سلوك عبد الكبير اخشيشن. ففي الوقت الذي يتابع فيه صحافيون بقوانين زجرية ثقيلة وأحكام لا تليق بمهنة الكلمة، تنشغل النقابة بإصدار بلاغات مستفيضة حول عقوبات إدارية صادرة عن لجنة الأخلاقيات ضد صحافي نشر تدوينة اعتبرت “مسيئة”، بينما تغض الطرف تماماً عن الأحكام القضائية الثقيلة التي تطال صحافيين بسبب مقالات رأي وتحقيقات مهنية.
ولعل ما زاد من خيبة أمل الجسم الصحافي، هو انكشاف زيف الآمال التي رُوج لها عقب وصول اخشيشن إلى رئاسة النقابة. فحينها كتبت “زون24” أن قدومه شكل “تغييراً أراح الصحافيين”، غير أن الشهور القليلة التي قضاها في المنصب أثبتت أن الفشل لصيق به، وأن تلك الآمال كانت سراباً. ففي عهد عبد الله البقالي، رغم الانتقادات، كانت النقابة تتحرك، تصدر بلاغات، تنظم وقفات احتجاجية، وتفتح أوراش التكوين، أما اليوم، فقد تحولت النقابة إلى جهاز صامت، لا يتحرك إلا حين يُطلب منه الدفاع عن “الأصدقاء”.
الأخطر من ذلك، أن هذا التحيز الواضح يهدد ما تبقى من مصداقية مؤسسة نقابية من المفترض أن تكون ممثلة للصحافيين كافة، لا لفئة بعينها. فكيف يُعقل أن تُستهدف جريدة مستقلة بأحكام مالية قاسية قد تقودها إلى الإفلاس، دون أن تتدخل النقابة؟ وكيف يُعقل أن يتم الاعتداء على صحافي أثناء مزاولة مهامه، ولا تحرك النقابة ساكناً، بينما تتصدر الدفاع في قضايا أقل خطورة فقط لأن المعنيين بها مقربون من القيادة؟
والأجدر والأصح هو أن يتجه المتضررون إلى لجنة الأخلاقيات بدل اللجوء إلى القضاء، وهذا هو الأصل العام في التنظيم الذاتي لمهنة الصحافة.
إن عبد الكبير اخشيشن، ومنذ أن جلس على رأس النقابة، أعاد هذه الأخيرة إلى الوراء، إلى زمن التواطؤ بالصمت، وإلى زمن “تصفية الحسابات الشخصية”، حتى بات واضحاً أن المعيار في التحرك أو السكوت هو “العلاقة الشخصية”، لا المبادئ المهنية ولا الدفاع عن حرية التعبير. والأدهى أن هذا التواطؤ يأتي في مرحلة حرجة، تعرف فيها الصحافة المغربية أزمة متعددة الأوجه: تراجع الحريات، متابعات قضائية متزايدة، وانهيار الثقة بين الصحافيين وممثليهم النقابيين.
السكوت عن الظلم حين لا يطال الأصدقاء، هو خيانة لمبادئ المهنة، ومحاولة تسييس النقابة وفق أجندة ضيقة هو خطر يهدد مصيرها. وقد تكون أكبر إساءة للصحافيين في هذه المرحلة، هي تواطؤ من يمثلهم. فالنقابة التي لا تدافع إلا عن المقربين، لا تستحق أن تمثل المهنيين. وإذا استمر هذا النهج، فلن يكون مستغرباً أن يبحث الصحافيون عن بدائل حقيقية، نقابة جديدة تولد من رحم الأزمة، تعيد الاعتبار للضمير المهني وللكلمة الحرة.


