افتتاحية

الأبواب المفتوحة

المقرّبون من محيط عبد اللطيف الحموشي، المدير العام للمديرية العامة للأمن الوطني والمدير العام لمديرية مراقبة التراب الوطني، يعرفون جيدًا ماذا تعني له “الأبواب المفتوحة”.

بالنسبة للحموشي هذه التظاهرة ليست حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، ولا مجرد مناسبة سنوية للاستعراض، بل هي تعبير حي عن رؤية متكاملة للتواصل المؤسساتي، وتجسيد فعلي لتحول نوعي في طريقة اشتغال الجهاز الأمني بالمغرب.

ما يمكن التأكيد عليه دون مواربة، هو أن الحموشي أطلق ثورة هادئة داخل دواليب جهاز الشرطة، ثورة تواصلية غير مسبوقة في تاريخ الأمن المغربي. لم يعد رجل الأمن، كما كان يُنظر إليه سابقًا، ذاك الموظف العمومي الذي يشتغل في الظل، ولا ذاك “السلطوي” الذي يثير رهبة الشارع، بل صار “البوليسي المواطن”، القريب من الناس، الحاضر في همومهم، المتفاعل مع قضاياهم، والمُساهم في بناء الثقة داخل المجتمع.

تستعد مدينة الجديدة هذه السنة لاحتضان نسخة جديدة من تظاهرة “الأبواب المفتوحة”، والتي تحوّلت في وقت وجيز إلى تقليد سنوي يترقبه المغاربة بشغف وفضول. وقد نجحت هذه المبادرة منذ انطلاقها في سنة 2017 في أن تُحدث تغييرًا حقيقيًا في العلاقة بين المواطن وجهاز الشرطة، من خلال اعتماد مقاربة تواصلية شاملة، تعتمد الشفافية، والانفتاح، والإشراك. فأن تفتح مؤسسة أمنية أبوابها أمام العموم، وتكشف لهم عن تفاصيل دقيقة من عملها، بل وتمنحهم فرصة محاورة عناصرها وممثليها، فذلك ليس مجرد استعراض، بل تمرين ديمقراطي نادر في سياق إقليمي لا تزال فيه العلاقة بين السلطة والمجتمع تتسم بالكثير من الحذر والالتباس.

لم تعد مفردات الخطاب الأمني تعتمد على استعراض القوة فقط، بل أضحت مشبعة بقيم المواطنة، والانضباط الأخلاقي، والمهنية العالية. هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة إرادة واضحة في تجديد صورة المؤسسة الأمنية، وتجاوز النظرة النمطية التي ظلت لعقود ترسّخ فكرة “المخزن” بوصفه قوة عمودية غامضة. الأبواب المفتوحة تُترجم هذه الإرادة إلى أفعال. إذ من خلال الأروقة التفاعلية، والعروض الميدانية، واللقاءات المباشرة مع رجال ونساء الأمن، تُتاح للمواطنين فرصة فريدة لاكتشاف كواليس العمل الأمني، والتعرف على التحديات اليومية التي تواجه مختلف الفرق الأمنية، بدءًا من الشرطة العلمية، إلى مكافحة الجريمة الإلكترونية، مرورًا بفرق التدخل السريع، وشرطة المرور، والكلاب المدربة.

إنها ليست مجرد زيارة لفضاء العرض، بل تجربة مواطنة بامتياز. الأطفال، التلاميذ، الأسر، الطلبة، المهنيون، كلهم يجدون في هذا الحدث ما يعزز فهمهم للمهام الأمنية، ويقوي شعورهم بالأمان، ويُنعش علاقتهم بالمؤسسات. وليس من المبالغة القول إن هذه التظاهرة لعبت، خلال دوراتها السابقة، دورًا محوريًا في إعادة تشكيل صورة “البوليسي” في المخيال الجماعي المغربي، خاصة لدى الأجيال الصاعدة التي باتت ترى في الشرطي قدوة وطنية لا تختلف عن المعلم أو الطبيب أو رجل الإطفاء.

من أبرز ملامح عهد الحموشي، هو الرهان على الكفاءة. لم يعد الزي الأمني هو ما يمنح الهيبة لرجل الشرطة، بل تكوينه، وقدرته على التواصل، ومهاراته في التدخل، ومعرفته بالقانون. وهذا ما تعكسه الأبواب المفتوحة من خلال تقديم نماذج شابة وواعدة من العناصر الأمنية، تبرُز في الأداء الميداني، وتتفاعل برقيّ مع استفسارات الزوار، دون غرور أو تحفظ. الزائر لهذه التظاهرة يلمس تغيرًا جذريًا في عقليات الاشتغال: لم تعد السرية شعارًا، بل صار الانفتاح قاعدة. ولعل أقوى رسالة تبعث بها المديرية العامة للأمن الوطني من خلال هذا الحدث، هي أن المؤسسة الأمنية لم تعد تشتغل بمنطق الوصاية، بل بمنطق الشراكة.

تعتمد المؤسسة الأمنية اليوم على أحدث الوسائل التكنولوجية في عملها: من مختبرات تحليل البصمات الوراثية، إلى تقنيات التعرف على الوجوه، إلى رصد الجرائم الرقمية، كلها أدوات حديثة تُعرض على مرأى العموم خلال هذه التظاهرة، مما يعكس توجهًا واضحًا نحو عصرنة الجهاز الأمني، وربطه برهانات المستقبل. ولا يمكن إغفال البعد الاستراتيجي لهذه المبادرة، فهي تشكل مناسبة لتأكيد التزام المديرية العامة للأمن الوطني بحقوق الإنسان، وتكريس مبادئ الحكامة الأمنية الجيدة، من خلال الشفافية، والمساءلة، وتجويد الخدمات الأمنية المقدمة للمواطنين.

اختيار مدينة الجديدة لاحتضان هذه النسخة لم يكن اعتباطيًا. فالمدينة تعرف توسعًا عمرانيا مهمًا، وتشهد تطورًا ديمغرافيًا وصناعيًا مضطردًا، ما يجعلها نموذجًا حضريًا مناسبًا لاحتضان حدث بهذا الحجم. وقد عبّأت السلطات المحلية والأمنية كافة الإمكانيات لإنجاح هذه النسخة، التي من المنتظر أن تستقطب عشرات الآلاف من الزوار، من داخل المدينة وخارجها. كما تشكل هذه المناسبة فرصة لتنشيط المدينة اقتصاديًا وسياحيًا، إذ من المرتقب أن تعرف الفنادق والمطاعم والمحلات التجارية حركة استثنائية، بفعل توافد الزوار ووسائل الإعلام والمشاركين.

تتجاوز رسالة “الأبواب المفتوحة” حدود المغرب، لتشكل نموذجًا يحتذى به على المستوى الإقليمي والدولي. فقلما نجد في دول أخرى جهازًا أمنيًا يفتح أبوابه بهذا الشكل المنظم والمستمر، ويُشرك المواطنين في أدق تفاصيل اشتغاله. وقد عبرت العديد من الوفود الأمنية الأجنبية التي زارت هذه التظاهرة في دوراتها السابقة عن إعجابها الكبير بهذا النموذج المغربي المتميز في التواصل الأمني، وهو ما يعكس مدى تطور أداء المؤسسة الأمنية المغربية، ليس فقط في بعدها العملي، بل في عمقها المؤسساتي والرمزي.

“الأبواب المفتوحة” ليست مجرد شعار، بل ممارسة مؤسساتية تؤسس لمرحلة جديدة في علاقة الدولة بمواطنيها، حيث تتحول السلطة من أداة ضبط إلى خدمة عمومية، وحيث يصبح الأمن شأنًا مشتركًا، لا حكراً على الأجهزة. إنها دعوة للمغاربة، صغارًا وكبارًا، لاكتشاف شرطتهم، والتفاعل معها، وفهمها، ومساءلتها. دعوة لترسيخ ثقافة الثقة، والتعاون، والانتماء. وفي زمن يتسم بالتحديات الأمنية المتعددة، تظل هذه التظاهرة تذكيرًا سنويًا بأن الأمن ليس فقط قضية مؤسسات، بل مسؤولية مواطنين.