افتتاحية

لقجع وحكومة 2026

في السياسة المغربية لا يوجد فراغ، ولا تتحرك الأسماء الثقيلة خارج حسابات دقيقة ومعقدة. ومن بين الأسماء التي تثير الكثير من الجدل والتكهنات هذه الأيام، يبرز اسم فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، والرجل الذي تحول خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أكثر المسؤولين حضوراً وتأثيراً داخل دواليب الدولة.

كثيرة هي الأحاديث التي راجت خلال الأشهر الماضية حول الوجهة السياسية المقبلة للرجل، وكثيرة هي التسريبات التي تحدثت عن اقترابه من حزب الأصالة والمعاصرة. صحيح أن تسريب خبر ترشحه المحتمل باسم “الجرار” لم يخدمه سياسياً بالشكل المطلوب، بل فتح الباب أمام تأويلات وتساؤلات عديدة، غير أن ما يجري في الكواليس يوحي بأن مسار التقارب بين الطرفين لم يتوقف، وأن وصول لقجع إلى حزب الأصالة والمعاصرة يبدو أقرب من أي وقت مضى.

فوزي لقجع لا يبحث عن موقع سياسي عابر، كما أن الأحزاب تبحث بدورها عن شخصيات قادرة على تدبير مرحلة سياسية وانتخابية دقيقة ستقود إلى استحقاقات 2026. وفي هذا السياق، يبدو أن الأصالة والمعاصرة يرى في لقجع قيمة مضافة قادرة على تعزيز حضوره السياسي والتنظيمي، فيما قد يجد الوزير نفسه داخل فضاء سياسي يوفر له امتداداً حزبياً يتناسب مع وزنه داخل مؤسسات الدولة.

لكن ما يثير الانتباه أكثر من الحديث عن لقجع، هو تزامن هذا النقاش مع تصاعد الهجمات المتكررة التي تستهدف فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية لحزب الأصالة والمعاصرة. فخلال الأشهر الأخيرة، تحولت المنصوري إلى هدف دائم لانتقادات وحملات تبدو في كثير من الأحيان منظمة أكثر مما هي عفوية، وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول خلفياتها الحقيقية.

فهل يتعلق الأمر فقط باختلافات سياسية عادية؟ أم أن هناك من يسعى إلى إعادة ترتيب موازين القوى داخل الحزب استعداداً لمرحلة ما بعد 2026؟ المؤشرات المتوفرة توحي بأن جزءاً من هذه الهجمات يتجاوز شخص المنصوري إلى استهداف مشروعها السياسي وموقعها داخل هرم القيادة الحزبية.

لقد استطاعت فاطمة الزهراء المنصوري خلال السنوات الأخيرة أن تفرض حضورها كواحدة من أبرز الوجوه النسائية في المشهد السياسي الوطني، وأن تقود حزب الأصالة والمعاصرة في مرحلة دقيقة اتسمت بالتحولات والتحالفات الكبرى. ولذلك فإن أي محاولة لإضعاف موقعها أو التشكيك في قيادتها لا يمكن فصلها عن الصراع المبكر حول مستقبل الحزب ومواقع النفوذ داخله.

ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقبلة، يبدو أن الأحزاب السياسية بدأت فعلاً في رسم معالم المرحلة القادمة، سواء عبر استقطاب الأسماء الوازنة أو عبر إعادة ترتيب التوازنات الداخلية. وفي هذا السياق، يصبح اسم فوزي لقجع جزءاً من معادلة سياسية أكبر، كما تصبح الهجمات التي تستهدف المنصوري جزءاً من صراع مبكر على قيادة المشهد الحزبي خلال السنوات المقبلة.

إن حكومة 2026 لا تُصنع فقط داخل المؤسسات الرسمية، بل تبدأ ملامحها في التشكل من الآن، داخل الأحزاب، وفي الكواليس، وعبر التحالفات التي تُنسج بعيداً عن الأضواء. وبين لقجع الذي يقترب من “الجرار”، والمنصوري التي تواجه رياح الاستهداف السياسي، تتشكل فصول قصة سياسية عنوانها الأكبر: من سيقود المغرب حزبياً وحكومياً في المرحلة المقبلة؟