بلا قيود

الشباب ورهان 2026

​إن الحديث عن المشهد السياسي المغربي في أفق استحقاقات 2026 يضعنا أمام استحقاق أخلاقي قبل أن يكون انتخابياً، حيث تبرز ثنائية “التخليق وتجديد النخب” كحجر زاوية في بناء أي مشروع ديمقراطي حداثي. فالمتأمل في مسارات المشاركة السياسية ببلادنا يدرك أن أزمة الثقة التي تباعد بين الشباب وصناديق الاقتراع ليست قدراً محتوماً، بل هي نتيجة طبيعية لترهل النخب واستمرار بعض الممارسات التي تجاوزها الزمن، مما يجعل من “التخليق” ضرورة حتمية لاستعادة بريق الفعل السياسي وجدواه في وجدان الأجيال الصاعدة.

​إن تخليق الحياة السياسية لا ينبغي أن يظل مجرد شعار فضفاض يُرفع في المناسبات، بل يجب أن يتحول إلى “ميثاق شرف” ملزم، يربط المسؤولية بالمحاسبة ويجعل من الكفاءة والنزاهة المعيار الوحيد للترقي داخل الهياكل الحزبية. فالشباب اليوم، المسلح بالوعي الرقمي والانفتاح الكوني، لم يعد يقبل بالولاءات التقليدية أو “الريع السياسي” كبوابة للعبور نحو المؤسسات التمثيلية، بل يبحث عن نخب تعكس طموحاته وتتحدث لغته وتملك القدرة على اجتراح حلول واقعية لمعضلات التشغيل والتعليم والكرامة الاجتماعية.

​أما “تجديد النخب”، فهو ليس مجرد عملية استبدال بيولوجي للأجيال، أو ضخ دماء جديدة في شرايين الأحزاب من باب “التشبيب الصوري”، بل هو تجديد في الرؤى والمقاربات والآليات. إن المغرب في أفق 2026 بحاجة إلى نخب “تكنو-سياسية” تجمع بين الشرعية الشعبية والخبرة الميدانية، نخب قادرة على تنزيل مقتضيات النموذج التنموي الجديد بروح وطنية متجددة. وهذا لن يتأتى إلا بفتح “المصاعد السياسية” أمام الكفاءات الشابة التي أثبتت جدارتها في الفضاءات المدنية والعلمية، ومنحها الفرصة للقيادة لا لمجرد التأثيث.

​إن سؤال “موقع الشباب” في الخريطة القادمة هو في الجوهر سؤال حول مستقبل الاستقرار المؤسساتي. فإدماج الشباب في مراكز صنع القرار ليس ترفاً أو “كوطا” تُمنح كصدقة، بل هو استثمار استراتيجي في أمن الوطن واستمرارية وهجه الديمقراطي. إن الرهان الحقيقي في محطة 2026 يكمن في مدى قدرة الأحزاب على تقديم “عرض سياسي” مغرٍ، يزاوج بين أخلقة السلوك وضمان التجديد الفعلي، ليصبح الشاب المغربي فاعلاً في صياغة السياسات العمومية لا مجرد رقم في معادلة انتخابية تنتهي صلاحيتها بانتهاء يوم الاقتراع.

​ختاماً، إن الطريق نحو 2026 يمر لزاماً عبر القطيعة مع منطق “النخب العتيقة” التي تعيد إنتاج نفسها، والتوجه نحو بناء جيل سياسي جديد يؤمن بأن السياسة هي فن خدمة الصالح العام بامتياز. إنها لحظة للمكاشفة والمراجعة، لجعل المؤسسات المنتخبة مرآة حقيقية لمجتمع شاب، طموح، ومتعطش للعدالة والترقي، في ظل مغرب يتطلع بكل ثقة نحو المستقبل.