بلا قيود

المسؤول الفاسد وثن من صنع العبيد

حينما يصرخ الشخص للمرة الأولى: “ماذا أضاف لنا المسؤول؟” يُعتبر ذلك نضالًا! لكن حينما نطرح نفس السؤال، كل يوم وكل سنة، مطالبين بأشياء بسيطة (طرق، إنارة..)، خاصة في القرى، يصبح السؤال عبارة مستهلكة، تعبّر عن كوميديا سوداء، بين ما نصنعه كمواطنين، وكيف ينظر إلينا المسؤولون. نظرة بسيطة إلى اليوم الانتخابي (صراع بين المواطنين، وانقسام بينهم تقوده فكرة القبائلية أكثر مما يقوده الوعي الانتخابي..) كفيلة بأن تريك أننا مجرد أرقام، وكراكيز تُسعد المسؤول وتُسليه.

لكن، هل المسؤول هو فعلاً أصل الداء… أم أننا نحن من نصنعه ثم نشتكي منه؟

المسؤول الفاسد لا يولد فجأة، ولا يسقط علينا من السماء كقدرٍ لا مفر منه، بل يُصنع ببطء، وبإتقان… نصنعه نحن. نحن الذين نلعنه في المقاهي، ونشتمه في التعليقات، ثم نعود لنمنحه الشرعية في أول فرصة. كأننا ندخل نفس المسرحية كل مرة، نحفظ أدوارنا جيدًا، ونتقن تمثيل الضحية، بينما نحن، في العمق، جزء من صناعة الجلاد.

المشكل ليس فقط في المسؤول الذي يسرق، أو يُقصي، أو يتعالى… المشكل الأعمق في المواطن الذي يتعايش مع ذلك، بل وأحيانًا يبرّره. حين يتحول الفساد إلى “ذكاء اجتماعي”، والرشوة إلى “قضاء مصلحة”، نصبح أمام منظومة كاملة، لا فردًا واحدًا. هنا، لا يصبح المسؤول هو المشكلة الوحيدة، بل يصبح انعكاسًا دقيقًا لواقع اجتماعي يقبل الرداءة، ويُطبّع معها دون مقاومة حقيقية.

في القرى، حيث أبسط الحقوق تتحول إلى أحلام مؤجلة، تظهر أزمة وعي بشكل أكثر قسوة. طريق محفّرة تُعتبر إنجازًا، عمود كهرباء يصبح “مكرمة”، ومشروع صغير يُسوّق كفتح تاريخي. لماذا؟ لأن سقف التطلعات تم تكسيره منذ زمن، ولأن المواطن تعوّد أن يطلب القليل، بل ويشكر عليه. وهنا بالضبط يبدأ بناء الوثن: حين نُضخّم العادي، ونصمت عن الكارثي، ونمنح المسؤول قيمة لا يستحقها.

أما في لحظة الانتخابات، فالمشهد أكثر وضوحًا ووقاحة. لا حديث عن برامج، ولا عن كفاءة، بل عن “ولد القبيلة”، و”ابن الدوار”، و”شكون وقف معنا”. يتحول التصويت من فعل سياسي واعٍ إلى رد فعل عاطفي ضيق، تحكمه القرابة والانتماء، لا المصلحة العامة. في تلك اللحظة، لا نختار من يمثلنا… بل نختار من يشبه ضعفنا، ومن يعيد إنتاج نفس الرداءة التي نشتكي منها.

ثم نندهش بعد ذلك من النتيجة.

نشتكي من التهميش، من غياب التنمية، من نفس الوجوه التي تعود كل مرة… لكننا نتهرب من السؤال الحقيقي: هل نحن فعلًا ضحايا، أم شركاء؟ هل المشكلة في من يحكم، أم في من يمنح الحكم بلا شروط؟

الخطير في الأمر ليس فقط استمرار الفساد، بل تطبيعه. حين يصبح الحديث عنه مملًا، وحين تتحول المطالبة بالحقوق إلى نكتة متداولة، نكون قد انتقلنا من الرفض إلى التعايش، ومن التعايش إلى القبول. وهنا، لا يحتاج المسؤول أن يروضك… أنت من قمت بترويض نفسك، وقبلت بدورك في هذه المسرحية.

المسؤول الفاسد لا يحتاج إلى قوة كبيرة ليستمر، يكفيه شعب ينسى بسرعة، ويغضب بسرعة، ويصمت بسرعة أكبر. يكفيه أن تتحول ذاكرة الناس إلى موسم انتخابي عابر، لا أكثر.

فقط حينما ننظر إلى المسؤول بكوننا أسياده، نحن من اخترنا من يمثلنا، ويجب أن يكون عند حسن الاختيار وحسن التطلعات، يصبح الوعي الانتخابي هواءً نستنشقه. وغير ذلك، ليس إلا هواءً ملوثًا بالصراخ، مجرد “سِرك” فقد تسليته وكوميديته، وأصبح يبكي أكثر مما يضحك… حيث يتحول المسؤول إلى وثنٍ نصنعه بأيدينا، وننحني له لاحقًا، كأننا عبيد ما صنعناه.