بلا قيود

حرّاس المعبد..ناطقون بإسم الله

في كل مرة يموت فيها شخص مثير للجدل، أو يصيبه مكروه مفاجئ، يتكرر نفس المشهد: تعاليق متسرعة، نبرة شماتة، وأحكام جاهزة لا تنتظر فهمًا ولا تحققًا. ليست كل الخلافات الفكرية مجرد اختلاف طبيعي في الرأي، بل تتحول أحيانًا، خصوصًا حينما يتعلق الأمر بالعقيدة، إلى ساحة محاكمة مفتوحة لا تُناقش فيها الأفكار بقدر ما يُدان فيها أصحابها. في المغرب، كما في غيره، يتكرر هذا المشهد بشكل يكاد يصبح مألوفًا: شخص مثير للجدل يموت أو يصيبه مكروه مفاجئ، فتخرج أصوات لا هي بالمتأملة ولا هي ملتزمة بالصمت، بل لتُصدر حكمًا جاهزًا من قبيل “هذا جزاءه” أو “هذا عقاب إلهي”. لا أحد يتردد، وكأن الأمر بديهي. كأننا أمام يقين جماعي بأن ما حدث يتجاوز كونه مجرد واقعة، بل يُعتبر رسالة إلهية مشفّرة، وقد فُكّت شيفرتها بسهولة تامة.

غير أن هذا اليقين السريع، فيه ما يثير التساؤل: هل نحن فعلًا أمام قراءة إيمانية للأحداث، أم أمام نزعة بشرية مختفية وراء ستار لغة الدين؟ لماذا يتحول بعض الناس، عند الاختلاف، خصوصًا في العقيدة، من مناقشة الفكرة إلى محاكمة الشخص؟ بل إلى تفسير أقداره وكأنهم مخولون للحديث باسم الله؟ هنا، لا نكون فقط أمام اختلاف… بل أمام ادعاء غير معلن لامتلاك الحقيقة.

لا يمكننا فهم هذا التحول دون تذكر تصور باروخ سبينوزا، الذي يرى أن الإنسان حين يجهل الأسباب الحقيقية للأشياء، يلجأ إلى تفسيرها بما يخدم انفعالاته. حين يصيب المختلف عنا مكروه، لا نبحث عن تعقيد الواقع. ولا عن أسبابه الموضوعية والمنطقية. بل نختار أبسط تأويل يرضينا… تأويل عبارة “لقد عوقب”. بهذا المعنى، لا يكون “العقاب الإلهي” تفسيرًا، بقدر ما هو رغبة مقنّعة في رؤية العالم منسجمًا مع أحكامنا المسبقة، ورغبتنا الدفينة في الانتصار الرمزي على الآخر المخالف لنا.

هذا التأويل لا يمنح فقط شعورًا بالراحة، بل يمنح أيضًا إحساسًا خفيًا بالتفوق. إذ يصبح موقعنا الأخلاقي مبررًا بحدث خارجي نُسقط عليه معنى جاهزًا. هنا، لا يبقى الله مرجعًا متعاليًا يُحتكم إليه، بل يتحول، دون وعي، إلى أداة لتثبيت مواقفنا الخاصة. وفي هذا السياق، يذهب الألماني فريدريك نيتشه إلى أبعد من ذلك، حين يرى أن مثل هذه السلوكيات لا تعكس قوة في الإيمان، بل شكلًا من أشكال الضعف المقنّع. فالقوي فكريًا لا يحتاج إلى موت خصمه ليشعر بالانتصار. ولا إلى تفسير معاناته كدليل على خطئه، بل يواجهه بالحجة وهو حاضر. أما العاجز عن الحجاج، فيستبدل النقاش بتأويل المصائب، ويحوّل الأحداث إلى أدلة أخلاقية جاهزة. بل إلى رغبة في الانتصار بأي ثمن.

وتتجلى هذه المفارقة بشكل أوضح في لحظة الموت، حيث تبدأ ما يمكن تسميته بـ“الشجاعة المتأخرة”. يُعاد تشكيل صورة الراحل. تُستحضر أخطاؤه. وتُبنى حوله رواية نهائية، لأنه ببساطة لم يعد قادرًا على الرد. إنها لحظة يختل فيها ميزان المواجهة، وينتصر فيها الشخص الحي، لا الحقيقة. لكن الأكثر إثارة للانتباه، أن هذا الخطاب الذي يدّعي الدفاع عن الدين، يصطدم في العمق مع روحه. فالقرآن بدوره يضع حدًا واضحًا لهذا التجرؤ على الغيب بقوله: “قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ الغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ”، كما يحسم مسألة الحساب في قوله: “إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ”. ومع ذلك، يستمر البعض في إصدار أحكام نهائية على مصائر الناس، وكأن هذه الحدود لا تعنيه، وكأنه يمتلك سلطة تأويل ما لا يُؤوَّل.

إن هذه السلوكيات تصنع لنا ما يمكن تسميتهم بـ“حراس المعبد”. هم أولئك الذين لا يكتفون بالدفاع عن أفكارهم، بل ينصّبون أنفسهم أوصياء عليها، ويتحدثون بلسان الحقيقة المطلقة، ويتدخلون في ما ليس من اختصاصهم: النوايا، المصائر، وعلاقة الإنسان بربه. المشكلة في هذا السلوك ليست فقط أخلاقية، بل معرفية أيضًا. لأنه يقوم على خلط واضح بين نقد الفكرة وإدانة الشخص، وبين الإيمان والتسلط الرمزي. فحين نفسر كل مكروه يصيب المختلف عنا كعقاب إلهي، فنحن لا نفسر العالم. بل نعيد تشكيله وفق أهوائنا. وحين نتحدث باسم الله، فنحن لا نُعظّم الدين، بل نُصغّره إلى مستوى أحكامنا البشرية المحدودة.

في النهاية، ما يبدو كدفاع عن العقيدة يخفي في كثير من الأحيان خللًا عميقًا في فهمها. فالفكرة التي تحتاج إلى إقصاء المختلف، وإدانته، وتأويل مصائبه، ليست فكرة قوية، بل فكرة تخشى النقاش وتخاف أن تُختبر. لذلك، فإن الخلل الحقيقي ليس في وجود الاختلاف، بل في العجز عن تحمّله. وليس في الدفاع عن الفكرة، بل في تحويلها إلى أداة لمحاكمة الناس. أما “حراس المعبد”، فمشكلتهم ليست في غيرتهم على الدين، بل في توهمهم أن الله يتحدث بلسانهم ويحكم بأحكامهم. بينما الإيمان، في أحد معانيه العميقة، لا ينصّب الإنسان قاضيًا على الناس، بل يصنع لنا إنسانًا أكثر وعيًا بحدوده.

إن الإنسان الحقيقي الذي يصنعه الدين، تهمه علاقته مع الخالق أكثر من سلوك المخلوق. وربما، أمام كثرة المتحدثين باسم الله، لا نحتاج بكثرة إلى من يدافع عنه (أو يتوهم ذلك)، بل نحتاج أكثر إلى من يفهم أن الله أكبر من كل تصور. ولا يحتاج لمخلوق ليلعب دوره.