بلا قيود

الأستاذ..بيدق شطرنج

ليست بداية أي موسم دراسي مجرد عودة روتينية إلى القسم، بل تكون لحظة محمّلة بانتظارات بسيطة، وأحيانًا ساذجة. يُختزل فيها التعليم في علاقة مثالية: أستاذ يحمل شغفًا بمادته، وتلاميذ يُفترض أنهم يتقاسمون نفس التعطش للمعرفة. يبدو المشهد في بدايته نظيفًا وواضحًا، كما لو أن العملية التعليمية مجرد تلاقٍ بريء بين رغبة في العطاء ورغبة في التلقي.

لكن سرعان ما تكشف طبقات أكثر تعقيدًا، حيث لا يواجه الأستاذ فقط تحدي إيصال المعرفة، بل يصطدم بسياقات إنسانية مثقلة بالتوترات، وبأنماط من العلاقات المهنية التي تتآكل مع الزمن، حتى تتحول أحيانًا إلى ما يشبه “أمراضًا” صامتة. ومن بين هذه الظواهر، يبرز ما يمكن تسميته بـ“الأستاذية”، لا باعتبارها خبرة أو نضجًا مهنيًا، بل كسلوك يُبرر باسم الانضباط والتدبير، بينما لا يتجاوز في عمقه تفريغًا مختلًا للسلطة داخل فضاء مغلق، غالبًا ما تُمارس فيه القوة على الحلقة الأضعف.

ومع ذلك، يبقى داخل هذا المشهد ما يُنقذ المعنى، حيث تظل العلاقة مع التلاميذ، رغم كل اختلافاتهم وتباين شخصياتهم، المساحة الوحيدة التي يمكن أن يُعاد فيها بناء شيء من الصدق داخل العملية التعليمية. هناك، في تفاصيل الحديث اليومي، وفي لحظات المزاح العابرة، وفي نظرات الفهم المفاجئ، يتشكل أثر متبادل لا تقيسه المذكرات ولا تعترف به التقارير. غير أن هذا الجانب الإنساني، على أهميته، لا يحجب التحول الأعمق الذي عرفته المدرسة المغربية في السنوات الأخيرة، وهو تحول يطرح سؤالًا مهمًا: أليس الأستاذ اليوم مجرد بيدق يُحرّك في رقعة لم يعد يملكها؟

في السياق المغربي، ومع توالي ما عُرف بإصلاحات المنظومة التربوية، تم الدفع نحو تقليص ما سُمّي بالسلطة التقليدية للأستاذ، حيث صدرت مذكرات تنظيمية تُقيد بشكل واضح تدخلاته التأديبية، وتدعو إلى بدائل “تربوية” في التعامل مع السلوكات المنحرفة. لم يعد من المقبول اتخاذ قرارات حازمة داخل القسم كما في السابق، بل أصبح كل تدخل يمر عبر مساطر إدارية معقدة، غالبًا ما تُفرغ الفعل التربوي من فوريته ونجاعته. وفي المقابل، لم يُواكب هذا التحول بناء فعلي لثقافة المسؤولية لدى التلميذ، بل على العكس، ومع انتشار خطاب الحقوق داخل المؤسسات التعليمية، أصبح بعض التلاميذ أكثر وعيًا بما لهم، دون استيعاب حقيقي لما عليهم. يظهر ذلك في سلوكات يومية داخل الأقسام، حيث يتحول طلب بسيط بالانضباط إلى نقاش أو رفض، وقد يصل الأمر أحيانًا إلى تحدي الأستاذ مباشرة، أو توثيقه بهاتفه داخل القسم، مستندًا إلى معرفة سطحية بالقانون، أو إلى إحساس ضمني بأن سلطة الأستاذ لم تعد كما كانت. وفي حالات أكثر حدة، امتد الأمر إلى اعتداءات لفظية، وأحيانًا جسدية، تُتداول مقاطعها على وسائل التواصل كما لو كانت مشاهد عادية من يوم دراسي.

أمام هذا الواقع، يجد الأستاذ نفسه في وضعية مفارِقة، فهو مطالب بالحفاظ على الانضباط دون أدوات حقيقية للضبط، ومطالب بالتربية داخل بيئة لا تُشجع على ترسيخ القيم، ومطالب بتحقيق نتائج في منظومة تُقاس فيها الأرقام أكثر مما تُقاس فيها الإنسان. ومع غياب التوازن بين السلطة والتربية، لا تتحول المدرسة إلى فضاء حر كما كان يُروّج، بل إلى فضاء هش، حيث يغيب الإطار وتظهر أشكال مختلفة من التسيب، فيصبح الأستاذ منشغلاً بتدبير الفوضى أكثر من انشغاله بنقل المعرفة، وفي خضم هذا كله، تضيع التربية… ويستمر الجميع في لعب دور لا يفهمه، داخل رقعة لا يملكها أحد.

في النهاية، لا تبدو المدرسة قد حررت التلميذ بقدر ما جرّدت الأستاذ من معناه. وكما يرى ميشيل فوكو، فالسلطة حين لا تُفهم لا تختفي، بل تعود في شكل أكثر فوضى. وبين أستاذ فقد موقعه، وتلميذ لم يجد حدوده، تضيع التربية… ويستمر الجميع في لعب دور لا يفهمه، داخل رقعة لا يملكها أحد.