نجاح مدنّس بثوب قدّيس

لم يعد النجاح كلمة بريئة كما يبدو للوهلة الأولى. صار أقرب إلى واجهة لامعة تخفي خلفها أشياء كثيرة لا تُرى. نسمع الكلمة كل يوم، في قصص الناس، في مواقع التواصل، في الأحاديث العادية بين الأصدقاء، لكن معناها لم يعد واضحًا كما كان. كأن المجتمع كله يصفق لشيء ما… دون أن يتفق حتى على حقيقته.
فمتى تغيّر معنى النجاح بيننا؟
لو ألقينا نظرة على صورة المجتمع قبل سنوات، سنلاحظ أن معنى النجاح كان أكثر وضوحًا واستقرارًا. آنذاك ارتبطت النجومية غالبًا بالفكرة والعلم والإبداع. أسماء العلماء والمفكرين والمثقفين كانت تحضر بقوة في الوعي العام، لأن أثرهم الفكري كان كبيرًا. التقدير الاجتماعي كان يميل نحو من يضيف معرفة أو يفتح أفقًا جديدًا للتفكير. لم يكن النجاح مجرد صورة تُعرض، بل أثر يترك بصمته في العقول.
غير أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي عرفها العالم دفعت هذا المعنى إلى التغير تدريجيًا. فمع مرور الوقت اكتشفت فئات واسعة من الناس أن المدرسة ليست الطريق الوحيد نحو المال أو المكانة. في حد ذاته لم يكن هذا الاكتشاف مشكلة؛ فالحياة بطبيعتها متعددة المسارات. لكن التحول الحقيقي حدث حين بدأت المعايير نفسها تتغير.
فشيئًا فشيئًا لم يعد السؤال: ماذا أضفت للمجتمع؟ بل أصبح: كم ربحت؟ وكيف تبدو حياتك أمام الآخرين؟ وهكذا بدأ النجاح يفقد علاقته بالقيمة، ويرتبط أكثر بالصورة. لم يعد المهم كيف وصلت، بل أن تبدو وكأنك وصلت.
ولعل ما يثير الانتباه أكثر هو بعض النماذج التي تظهر في الواقع اليومي. شباب غادروا مقاعد الدراسة في سن مبكرة، لكنهم يظهرون أحيانًا في وضع مادي مريح، بل ويُنظر إليهم أحيانًا كـ“نماذج ناجحة”. غير أن جزءًا من هذه الصورة يخفي طرقًا ملتوية في كسب المال. فهناك من يبيع الوهم للناس في ثوب “الشيخ” أو “الراقي”، مستغلًا خوفهم أو حاجتهم، وهناك أيضًا ما يعرف بظاهرة “الأرناك”، حيث يتم استدراج الضحية إلى موقف حميمي أو جنسي، ثم ابتزازه لاحقًا بالصور أو التسجيلات مقابل المال. والمفارقة أن هذه الممارسات، رغم خطورتها وانحطاطها الأخلاقي، قد تتحول في بعض الأحاديث الشعبية إلى قصص “ذكاء” أو “حيلة”، وكأنها شكل من أشكال النجاح السريع.
هنا بالضبط يظهر الخلل الحقيقي. فالمشكلة ليست في وجود الاحتيال أو الخداع، فهذه ظواهر عرفتها المجتمعات دائمًا، بل في أن يصبح من الممكن تقديمها أحيانًا كأشكال من النجاح. حينها يختلط كل شيء: الجهد بالتحايل، والقيمة بالاستعراض، والعمل الحقيقي بالضجيج.
وقد أشار الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه إلى ميل المجتمعات إلى تمجيد ما يلمع على السطح حتى لو كان خاليًا من العمق. فالأشياء العميقة غالبًا ما تكون هادئة، بينما يجيد السطح الصاخب جذب الانتباه، حيث يصبح الظهور أحيانًا أهم من المضمون.
ومع ذلك، فإن مواجهة هذا الاختلال لا تعني رفض المال أو الشهرة في حد ذاتهما، فهما جزء من الواقع. لكن المجتمعات لا تبنى بالمال وحده، بل بالأفكار والمعرفة أيضًا. لذلك يبدو من الضروري إعادة التوازن إلى الطريقة التي نقيس بها النجاح. فحين تعود المدرسة لتربي على المعنى لا على الشهادة فقط، وحين يسلط الإعلام الضوء على النماذج التي تصنع المعرفة لا فقط تلك التي تصنع الضجيج و تخلق الجدل، يمكن أن يستعيد النجاح شيئًا من معناه الأصلي. وقد سبق أن نبهنا المفكر غي ديبور في حديثه عن “مجتمع الاستعراض” إلى أن المجتمعات الحديثة قد تتحول بسهولة إلى فضاء تُقدَّس فيه الصورة أكثر من الحقيقة.
ومع ذلك يظل السؤال يقلقنا: هل تغير النجاح فعلًا، أم أننا فقط صرنا نخطئ في التعرف عليه؟
ربما سيستمر كثيرون في جمع المال بسرعة، وسيستمر آخرون في بيع الوهم أو صناعة الضجيج حول أنفسهم. لكن التاريخ، في العادة، لا يتذكر الضجيج طويلًا. فهو يحتفظ بشيء آخر أكثر هدوءًا… الأثر.
قد ينجح البعض في خداع أعين الناس لبعض الوقت، وقد يلمع كثيرون تحت أضواء اللحظة. غير أن الزمن يملك عادةً طريقة بسيطة لكشف الأشياء:
ينزع الثوب… ويترك الحقيقة وحدها في العراء.
وعندها فقط سنكتشف: كم من “ناجح” بيننا… لم يكن سوى ممثل جيد فوق مسرحية صنعها المجتمع.


