افتتاحية

نحن ومادورو

لم يكن اسم نيكولاس مادورو، إلى حدود وقت قريب، جزءاً من النقاش العمومي المغربي اليومي، ولا من عناوين الصحف الوطنية، إلا بقدر ما يرتبط بخارطة دول بعيدة جغرافياً وقريبة سياسياً من خصوم الوحدة الترابية.

غير أن التطورات الأخيرة، وما رافقها من جدل دولي واسع، أعادت هذا الاسم إلى الواجهة، ودفعت المغرب، من موقع المتابع الهادئ، إلى إعادة ترتيب زاوية النظر: ماذا يعني مادورو بالنسبة لنا؟ وماذا يعني غيابه، أو إضعافه، في ميزان الصحراء المغربية؟

في السياسة، لا تُقاس الأحداث بحجمها الظاهر فقط، بل بما تُحدثه من ارتدادات غير مباشرة. ومادورو، بصفته أحد أكثر حلفاء الجزائر صلابة في أمريكا اللاتينية، لم يكن مجرد رئيس دولة بعيدة، بل كان جزءاً من شبكة دعم سياسي ودبلوماسي لجبهة الانفصال، ومُوقِّعاً دائماً على مواقف معادية للوحدة الترابية للمغرب. لذلك، فإن أي زلزال يصيبه، أو يضعف نظامه، لا يمكن فصله عن حسابات الرباط ولا عن قلق الجزائر.

منذ سنوات، اختارت فنزويلا، في عهد تشافيز ثم مادورو، التموضع الواضح ضد المغرب في ملف الصحراء، وذهبت بعيداً في دعم أطروحة “تقرير المصير” بصيغتها الانفصالية، واحتضان تمثيليات سياسية لجبهة البوليساريو، والانخراط في خطاب أيديولوجي يعتبر النزاع امتداداً لمعركة “مناهضة الإمبريالية”. لم يكن هذا الموقف وليد قراءة قانونية متوازنة، بل نتيجة تحالفات سياسية تقودها الجزائر وتغذيها سردية قديمة.

في المقابل، كانت الولايات المتحدة، خاصة في عهد دونالد ترامب، قد انتقلت من موقع “الحياد التقليدي” إلى موقع الاعتراف الصريح بمغربية الصحراء، وهو تحول استراتيجي غير مسبوق في تاريخ النزاع. هذا المعطى وحده كافٍ لفهم لماذا يُقرأ أي تصادم بين واشنطن ومادورو في الرباط من زاوية سياسية باردة، بعيدة عن العاطفة، وقريبة من منطق المصالح.

ترامب، صديق المغرب كما تصفه الوقائع لا الشعارات، لم يُخفِ يوماً عداءه لمادورو، واعتبر نظامه نموذجاً للفشل والاستبداد، وفرض عليه عقوبات قاسية، ووضعه في خانة “أعداء الديمقراطية”. في لغة السياسة، حين يكون خصمُ خصمِك في موقف ضعف، فإن ميزان القوى يميل لصالحك، ولو دون أن تطلق رصاصة واحدة.

ما الذي يمكن أن يربحه المغرب من هذا التحول؟ أولاً، إضعاف أحد الأصوات الصلبة داخل المعسكر الداعم للانفصال. صحيح أن فنزويلا ليست دولة مؤثرة بمفردها في مجلس الأمن، لكنها فاعل نشيط داخل شبكات الجنوب، وأمريكا اللاتينية، وحركة عدم الانحياز. غياب مادورو، أو انشغال نظامه بأزماته الداخلية والخارجية، يعني تلقائياً تراجع الحماس الدبلوماسي للدفاع عن أطروحة انفصالية لم تعد تحظى بالإجماع حتى داخل القارة الإفريقية.

ثانياً، تقوية الرواية المغربية داخل المحور الأمريكي–الأطلسي. فحين يتكرس الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، ويتزامن مع إضعاف أنظمة معادية للمغرب، فإن ذلك يعزز فكرة أن المقترح المغربي للحكم الذاتي هو الحل الواقعي الوحيد، وأن الأطراف التي ترفضه هي نفسها التي تُصنَّف في خانة الأنظمة المأزومة والمعزولة دولياً.

ثالثاً، فتح الباب أمام إعادة تموقع دول كانت تدور في فلك الجزائر وفنزويلا. السياسة الخارجية لا تعرف الفراغ؛ حين يسقط قطب، تبحث الدول الصغرى عن مظلة جديدة. والمغرب، بما راكمه من مصداقية اقتصادية ودبلوماسية في إفريقيا وأمريكا اللاتينية، قادر على ملء جزء من هذا الفراغ، خاصة عبر دبلوماسية هادئة لا تقوم على الاستفزاز بل على المصالح المشتركة.

لكن السياسة لا تُقرأ فقط بلغة الأرباح. هل هناك ما يمكن أن يخسره المغرب؟ نظرياً، قد يحاول خصومه تصوير أي تقاطع موضوعي بين مصالح الرباط وواشنطن كـ“ارتهان” لإرادة أمريكية، أو استغلال اللحظة لرفع منسوب الخطاب العدائي. غير أن هذا الخطر يبقى محدوداً، لأن الموقف المغربي من الصحراء لم يعد معزولاً ولا ظرفياً، بل يستند إلى اعترافات دولية متراكمة، وإلى حضور ميداني وتنموي لا يمكن القفز عليه.

في الجهة المقابلة، تبدو الجزائر الخاسر الأكبر، سياسياً واستراتيجياً. ففقدان حليف مثل مادورو لا يعني فقط خسارة صوت داعم، بل اهتزاز شبكة تحالفات بُنيت على منطق الإيديولوجيا لا على منطق المصالح المستدامة. الجزائر، التي استثمرت لعقود في دعم أنظمة معزولة دولياً، تجد نفسها اليوم أمام واقع جديد: العالم يتغير، والتحالفات تُعاد صياغتها، وملف الصحراء لم يعد ورقة ضغط فعالة كما كان يُعتقد.

بل أكثر من ذلك، فإن أي تراجع لفنزويلا عن دعمها التقليدي للبوليساريو، سواء بفعل تغيير سياسي أو إعادة تموضع دبلوماسي، سيكون ضربة رمزية قوية للخطاب الجزائري، الذي طالما قدّم النزاع كـ“قضية تحرر تحظى بإجماع عالمي”. هذا “الإجماع” يتآكل، حليفاً بعد آخر.

في النهاية، لا يحتفل المغرب بسقوط أحد، ولا يبني مواقفه على الشماتة. لكنه يقرأ الخريطة ببرودة أعصاب، ويدرك أن قضيته الوطنية دخلت مرحلة جديدة: مرحلة الحسم الهادئ، حيث تتقدم الشرعية التاريخية والتنموية، وتتراجع الشعارات الإيديولوجية. ومادورو، سواء كان حاضراً أو غائباً، ليس سوى تفصيل في مسار أكبر، عنوانه أن الصحراء المغربية لم تعد قضية نزاع، بل قضية سيادة تحسمها الوقائع لا الخطابات.