افتتاحية

خيارْ ليس خياراً

ليس من باب الصدفة أن يعود اسم حسن خيار، المدير العام لقناة ميدي1 تيفي وشركة “ريجي3”، إلى التداول كلما طُرح سؤال الخلافة داخل القطب العمومي. فالرجل حاضر في الكواليس، ومدعوم بسير ذاتية مُلمَّعة، ورواتب سبق أن كُشف عنها في مقال سابق وأثارت الكثير من الجدل، لكنها – حين تُوضع في ميزان الأداء والنتائج – لا تصنع قائداً إعلامياً ولا مشروعاً عمومياً يُعوَّل عليه.

العودة إلى ذلك المقال ليست نبشاً في الماضي، بل استحضاراً لسياق: مدير عام يتقاضى راتباً سميناً في مؤسسة إعلامية يفترض أنها تُدار بمنطق الخدمة العمومية، بينما المنتج النهائي على الشاشة يشهد تراجعاً مقلقاً في الجودة، والابتكار، والمصداقية، والحضور الجماهيري. هنا يبدأ السؤال الحقيقي: ماذا قدّم حسن خيار للقناة غير إدارة رقمية باردة، ومنطق مقاولة معزولة عن روح الإعلام؟

ميدي1 تيفي اليوم ليست تلك القناة التي كانت تُنافس وتُقنع وتستقطب. هناك انحدار واضح في المستوى التحريري، فقر في البرامج، تكرار في الوجوه والخطاب، وانكماش في الجرأة المهنية. والأخطر من ذلك، هو ما يُتداول داخل القناة عن اعتماد الإدارة على “رزمة” من الشكّامة والمخبرين، بدل الاستثمار في الصحافيين والمنتجين وأصحاب الأفكار. شبكة داخلية لا تُنتج محتوى، بل تُنتج تقارير عن الزملاء، وتنقل “الأخبار” إلى المدير العام، في ممارسة أقرب إلى مناخات الريبة منها إلى مؤسسة إعلامية حديثة.

وسط هذا المشهد، يبرز اسم شخص ينتحل صفة رئيس تحرير، بينما دوره الحقيقي – كما يعرفه العاملون – لا يتجاوز كونه رئيس تحرير للوشايات، جامعاً للأخبار عن الزملاء لا عن الواقع، ومُغذِّياً لإدارة ترى في التحكم والانضباط الأعمى بديلاً عن الثقة والكفاءة. هكذا تُدار القنوات حين يغيب المشروع التحريري، ويحل محله هاجس السيطرة.

النتيجة كانت متوقعة: خسارة القناة لكفاءات وازنة، صحافيين وتقنيين ومنتجين اختاروا المغادرة بصمت، بعدما ضاقت المساحة المهنية، واختنق الإبداع، وتحول العمل اليومي إلى عبء نفسي. لا قناة تبني مستقبلها بطرد العقول أو تهميشها، ولا قطب عمومي يمكن أن ينهض بقيادة ترى في الموارد البشرية خطراً لا رصيداً.

ورغم كل ذلك، يُقدَّم حسن خيار اليوم كمرشح محتمل لخلافة فيصل العرايشي في قيادة القطب العمومي. وهنا بيت القصيد. إذا كان معيار الاختيار هو الولاء، أو القدرة على “تدبير الهدوء”، أو إدارة المؤسسات بمنطق إداري صرف، فربما يبدو خياراً مناسباً لبعضهم. أما إذا كان المعيار هو إعادة الاعتبار للإعلام العمومي، واسترجاع الثقة، وبناء رؤية تحريرية حديثة، فإن خيار… ليس خياراً.

القطب العمومي لا يحتاج مديراً جديداً بالاسم، بل مشروعاً جديداً بالجوهر. يحتاج قيادة تؤمن بالصحافة لا بالمخبرين، وبالكفاءة لا بالوشاية، وبالجمهور لا بالتقارير الداخلية. وأي انتقال لا يقطع مع هذه العقليات، لن يكون سوى تدوير للأزمة، وتأجيل لانفجارها.

لهذا، فإن ترشيح حسن خيار، في ضوء ما آلت إليه ميدي1 تيفي في عهده، ليس حلاً ولا بديلاً. إنه مجرد استمرار لمسار أثبت محدوديته. وفي الإعلام العمومي، كما في السياسة، ليست كل الأسماء خيارات… وبعض الخيارات، ببساطة، ليست خياراً.