العدّ العكسي

يحدث في لحظات العدّ العكسي أن تنكشف الحقائق بلا تجميل، وتظهر مكامن القوة كما تظهر مناطق الضعف. والمغرب يعيش اليوم عدّين عكسيين متوازيين: عدًّا عكسيًا رياضيًا يسبق كأس إفريقيا المقبلة، وعدًّا عكسيًا سياسيًا يسبق انتخابات 2026 التي بدأت بوادرها تلوح من خلال تحركات الأحزاب واستعداداتها الميدانية.
وبين هذا وذاك، تتضح صورة بلد يركض نحو المستقبل، لكنه يجرّ وراءه بعض الأثقال التي لا تزال تعيق الاندفاع الكامل نحو الحداثة والكفاءة.
فوزي لقجع، الرجل الذي تحوّل إلى علامة تنظيمية فارقة داخل كرة القدم المغربية، يواصل الاشتغال بمنطق “الدولة الجاهزة” لا بمنطق “اللجنة التي تنتظر التعليمات”. الملاعب جاهزة، أو على الأقل في مراحلها النهائية: صيانة دائمة، تجهيزات تقنية حديثة، منظومات أمنية متطورة، وربط لوجيستي مدروس. ملاعب مثل ابن بطوطة، مراكش، أكادير، والرباط تبرز في حلتها الجديدة وكأنها تعلن أن المغرب لا ينظم فقط بطولة قارية، بل يعرض نفسه كقوة بنية تحتية قادرة على استضافة أكبر المحافل.
لقجع لم يشتغل وحده، بل بنى شبكة منسجمة تمتد من الجامعة إلى الوزارات المعنية. اجتماعات مكثفة، زيارات ميدانية، مراسلات رسمية مع “الكاف”، تتبع دقيق لحركة الورشات، وضغط زمني محسوب. كل ذلك يعطي الانطباع بأن المغرب سيدخل البطولة بأريحية كبيرة، بل بثقة بلدان تعرف قواعد اللعبة جيدًا: التنظيم ليس حظًا، بل عملية تراكمية.
لكن الصورة لا تكتمل. فحين ينتهي دور الملعب ويبدأ دور الكاميرا، تظهر المشكلة. فالصوت والصورة اللذان يفترض أن يقدما المغرب للعالم، يعيشان اليوم في قلب أعطاب متتالية. القناة الرياضية، التي يفترض أن تكون واجهة البث الوطني، تعيش مرحلة ارتباك حقيقي: أعطاب تقنية في مباريات مهمة، انقطاع في النقل، أخطاء في التوقيت، واستوديوهات تبدو بعيدة عن مستوى حدث قارّي. كل هذا يجري في ظل توتر داخلي بين مدير القناة حسن بوطبسيل والرئيس المدير العام للشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة فيصل العرايشي، إضافة إلى جو من الاحتقان داخل الأطقم التقنية والصحافية.
الجمهور المغربي، الذي تابع هذه السقطات بامتعاض، صار يسأل سؤالًا واحدًا: كيف يمكن لدولة جاهزة من ناحية الملاعب والتجهيزات أن تكون غير جاهزة من ناحية التلفزيون؟ كيف يمكن أن نستقبل القارّة بكامل الاحترافية، بينما يستقبل العالم صورنا عبر شاشة مهزوزة وصوت مبحوح؟ العدّ العكسي لا ينتظر، وكأس إفريقيا لن تتأخر لكي تمنح التلفزيون الوقت ليلحق بالركب. الملاعب جاهزة، لكن التلفزيون، للأسف، لا يزال يتعثر في أبجديات الجودة.
وفي الوقت الذي ينشغل فيه الرأي العام الرياضي بهذا الخلل الذي بات يزعج صورة المغرب، هناك عدّ عكسي سياسي آخر أكثر هدوءًا لكنه لا يقل أهمية: العدّ العكسي لانتخابات 2026. المشهد السياسي بدأ يتحرك، والأحزاب التي تعرف قيمة الزمن بدأت تشتغل قبل أن تُدقّ الطبول رسميًا.
اللقاء الذي عقده حزب التجمع الوطني للأحرار يوم السبت بمديونة كان واحدًا من تلك اللحظات التي تظهر الفرق بين حزب يشتغل، وأحزاب تنتظر الفرصة لتشتكي. التنظيم كان لافتًا: حضور كثيف، انضباط في الصفوف، رسائل سياسية واضحة، وإظهار لقوة بشرية منظمة تعرف ما تريده.
وبغضّ النظر عمّا يُقال في مواقع التواصل الاجتماعي، وما يروّجه بعض المستفيدين من قرب وزراء آخرين في حزب الأصالة والمعاصرة، فإن الحمامة بدت وكأنها تريد أن تجدد تموضعها وتفتح جناحيها نحو انتخابات 2026 بروح هجومية، لا بروح دفاعية. الحزب يبدو واعيًا بأن التحدي المقبل لن يُربح بالصراعات الرقمية ولا بالشعارات السهلة، بل بالعمل الميداني وإعادة الانتشار على مستوى الجهات والأقاليم.
الرسالة التي خرجت من مديونة واضحة: الأحرار يشتغلون بمنطق العدّ العكسي الحقيقي، أي بمنطق من يستعد قبل أن يفكر الآخرون في الاستعداد. وفي المقابل، هناك أحزاب تعيش على ردود الفعل، وعلى صدى “السوشيال ميديا”، وعلى حسابات شخصية تُبنى على تحالفات هشّة ومصالح عابرة. وهذه الأحزاب قد تجد نفسها في لحظة الحقيقة عاجزة عن مجاراة من أعدّ نفسه مبكرًا.
بين العدّ العكسي الرياضي والعدّ العكسي السياسي، وبين جاهزية الملاعب وتعثر التلفزيون، وبين حزب يشتغل وأحزاب تكتفي بالتعليق، تظهر صورة المغرب كما هي: بلد يملك طموحًا كبيرًا، وإرادة قوية، لكنه لا يزال يواجه جيوب مقاومة داخل مؤسسات تحتاج إلى إعادة هيكلة، وممارسات إعلامية وسياسية يجب أن تتجاوز منطق “الارتجال” إلى منطق “الجاهزية”.
العدّ العكسي ليس دائمًا لحظة انتظار، بل لحظة مساءلة: من هو جاهز، ومن لا يزال يهرب من ساعة الحقيقة؟ المغرب يدخل فترته الحاسمة، وعليه أن يختار: إمّا أن يكون بلدًا يقدّم نفسه للعالم كما يستحق، أو بلدًا يتعثر بسبب ثغرات صغيرة لكنها مؤثرة. الملاعب جاهزة، والبلد جاهز، لكن بعض المؤسسات لا تزال تحتاج إلى من يذكّرها بأن العدّ العكسي لا يُسامح أحدًا.


