الملكُ يتفاعل مع الشارع

مرة أخرى، يبرهن الملك محمد السادس أن نبض الشارع المغربي ليس خارج اهتمامه، وأن الرسائل الصادرة من عمق المجتمع، خصوصاً من فئة الشباب التي اصطلح على تسميتها بـ”جيل زاد”، تجد صداها في القصر الملكي قبل أن تتحول إلى أجندة تنفيذية في مؤسسات الدولة.
المجلس الوزاري الذي ترأسه الملك يوم الأحد 19 أكتوبر 2025 لم يكن اجتماعاً عادياً لتدارس مشروع قانون المالية، بل لحظة سياسية بامتياز تعكس تفاعلاً مباشراً مع التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعيشها المغرب، ومع الأسئلة الجديدة التي يطرحها الشباب حول العدالة، والفرص، والتمثيلية، والثقة في السياسة. فالبلاغ الصادر عن الديوان الملكي جاء محملاً بإشارات عميقة إلى رغبة ملكية واضحة في جعل الإصلاحات المقبلة أكثر قرباً من هموم الناس وأكثر تجاوباً مع نبض الشارع.
خلف لغة الأرقام والمشاريع والأوراش، كان هناك خطاب غير معلن: ضرورة إعادة ترميم جسور الثقة بين الدولة والمجتمع. فحين يشدد مشروع قانون المالية على تحقيق تنمية وطنية تجمع بين العدالة الاجتماعية والتنمية المجالية المندمجة، فذلك في جوهره استجابة لمطالب الشباب الذين خرجوا في احتجاجات سلمية مطالبين بالمساواة في الفرص، وبسياسات عمومية أكثر عدلاً في توزيع الثروة وتحقيق الكرامة.
ما قام به الملك في هذا المجلس هو تحويل ذلك الغضب الاجتماعي إلى سياسات فعلية: ضخ 140 مليار درهم في قطاعي التعليم والصحة، إحداث أكثر من 27 ألف منصب مالي جديد، فتح ورش لتأهيل المستشفيات، وتسريع تعميم التعليم الأولي، كلها خطوات تحمل بعداً اجتماعياً عميقاً يستهدف الفئات التي ظلت على هامش التنمية. إنها رسالة واضحة مفادها أن الدولة، بملكها، تنصت وتتحرك.
لكن التفاعل الملكي لم يقتصر على الجانب الاجتماعي، بل امتد إلى البنية السياسية ذاتها. فالمصادقة على مشروع القانون التنظيمي لمجلس النواب الذي يشدد العقوبات على المفسدين الانتخابيين، ويمنح الشباب دون 35 سنة دعماً يغطي 75% من مصاريف حملاتهم الانتخابية، تعني أن المؤسسة الملكية التقطت جوهر الرسالة التي عبّر عنها “جيل زاد”: لا تنمية بدون تجديد النخب، ولا مستقبل للديمقراطية بدون شباب فاعل ومسؤول.
وفي خطوة موازية، أقر المجلس تخصيص الدوائر الجهوية للنساء فقط، في إشارة إلى أن التمكين السياسي لم يعد شعاراً بل مساراً مؤسسياً محمياً بالقانون. إنها دينامية جديدة تنسجم مع الرؤية الملكية التي تعتبر أن إشراك النساء والشباب ليس ترفاً ديمقراطياً، بل شرطاً لبلوغ المغرب الصاعد الذي تحدث عنه مشروع قانون المالية.
الملك، بهذا التفاعل الهادئ والعميق، لم يكتف بالإصغاء، بل حوّل رسائل الشارع إلى قرارات. لم يرد على الاحتجاج بالخطابة أو بالشعارات، بل بالفعل المؤسساتي، وهو ما يؤكد أن التغيير في المغرب قد لا يكون دوماً مدوياً، لكنه يسير بخطوات ثابتة نحو بناء دولة اجتماعية قوية تستمد شرعيتها من قدرتها على الإنصات والاستجابة.
إن جيل زاد الذي خرج إلى الشارع حاملاً أسئلة الحرية والعدالة والكرامة، يجد اليوم في قرارات المجلس الوزاري مؤشراً على أن صوته لم يذهب سدى، وأن في قلب الدولة من يسمع ويقرر، ومن يترجم النداء الشعبي إلى رؤية إصلاحية تمتد إلى كل المجالات: من المدرسة والمستشفى، إلى السياسة والاقتصاد.
بهذه الروح، يعيد الملك محمد السادس ترتيب العلاقة بين الدولة والمجتمع على قاعدة جديدة: لا مسافة بين القصر والشارع، ما دام الشارع نفسه أصبح جزءاً من القرار الوطني.


