افتتاحية

مؤشرات على نهاية العرايشي

بعد أكثر من ستة وعشرين سنة قضاها فيصل العرايشي على رأس الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، بات واضحاً أن مرحلة كاملة من تاريخ الإعلام العمومي المغربي تقترب من نهايتها. فقد تحوّل هذا القطاع الذي كان يفترض أن يكون مرآة للمجتمع إلى جهاز بيروقراطي متحجّر، يشتغل بمنطق إداري متجاوز، ويعاني من غياب الرؤية، وانعدام الحسّ العمومي، وانفصاله التام عن نبض الشارع وقضاياه الحقيقية. لم يعد المغاربة يرون في الإعلام العمومي صوتهم، بل أصبح في نظر كثيرين فضاءً رسمياً بارداً يكتفي بترديد البلاغات وتجميل الواقع.

منذ تعيينه سنة 1999، نجح العرايشي في بناء منظومة من الولاءات أكثر مما بنى مؤسسة حديثة، إذ حوّل الإعلام العمومي إلى إدارة خاضعة للانضباط أكثر من انخراطها في الإبداع والتجديد. خلال أكثر من ربع قرن، لم يعرف المشهد السمعي البصري العمومي أي تحول جوهري في الرؤية أو في المضمون أو في علاقة المؤسسة بالمواطن. بل إن القنوات التابعة للشركة الوطنية ظلت تكرر الأخطاء نفسها، وتعيد إنتاج النمط نفسه من البرامج والخطاب، في وقت أصبحت فيه وسائل الإعلام الرقمية، والمبادرات المستقلة، أكثر حضوراً وتأثيراً في تشكيل الرأي العام.

المؤشر الأول على نهاية هذه المرحلة يتمثل في كون الإعلام العمومي لا يفتح باب النقاش إلا تحت الضغط، وكأنّ النقاش العام يُعتبر تهديداً لا حقاً دستورياً. فعندما خرج المغاربة في حراك 20 فبراير، لم تتحرك كاميرات القنوات العمومية إلا بعد أسابيع من انطلاق الاحتجاجات، واكتفت بتغطية سطحية لا ترقى إلى مستوى الحدث. وحين اندلع حراك الريف، ظل الإعلام الرسمي صامتاً إلى أن أصبحت القضية مطروحة على المستوى الدولي، فبدأ حينها في تبريراته المتأخرة. واليوم، مع حراك جيل “زاد”، نعيش المشهد نفسه: أصوات الشباب ترتفع، والنقاش يغلي في المنصات الاجتماعية، فيما الإعلام العمومي يتفرج، أو يختبئ وراء لغة خشبية لا تقنع أحداً. إن مؤسسة لا تنصت إلا حين يشتد الضغط عليها، هي مؤسسة فقدت دورها الطبيعي في الوساطة والتنوير، وتحولت إلى متفرج سلبي على التحولات التي يعيشها المجتمع.

أما المؤشر الثاني فهو ملاحقة مسؤولين بالقناة الأمازيغية على خلفية شبهات اختلاس وتبديد أموال عمومية، رغم أن التقارير التي نبهت إلى هذه الاختلالات صادرة منذ سنوات عن المجلس الأعلى للحسابات. هذا التأخر في التحرك القضائي يكشف غياب الشفافية والمساءلة داخل الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، كما يعري منطق التغطية وحماية المقربين الذي طبع طريقة تدبير العرايشي. فبدل أن تكون المؤسسة نموذجاً في الحكامة، تحولت إلى مثال للغموض الإداري وتراكم الأخطاء المالية. لا يمكن أن نطالب الصحفيين في هذه المؤسسة بالاستقلالية والنزاهة، في حين أن من يدبرها يغض الطرف عن تقارير رسمية توثق اختلالات مالية خطيرة. المسؤولية هنا لا تتعلق بأفراد فقط، بل بثقافة تسيير تراكمت لعقود، تجعل الولاء أهم من الكفاءة، والصمت أكثر أماناً من قول الحقيقة.

أما المؤشر الثالث، فهو حديث الملك في خطابه الأخير بمناسبة افتتاح السنة التشريعية الجديدة عن ضرورة تطوير الإعلام، في إشارة واضحة إلى قصور القنوات العمومية عن أداء دورها. لم يأتِ هذا التذكير الملكي من فراغ، بل جاء بعد تراجع الثقة في الإعلام الرسمي، واتساع الفجوة بينه وبين المواطن. فحين يتحدث رأس الدولة عن الإعلام في خطاب موجه إلى الأمة، فإن ذلك يعني أن الأمر بلغ مستوى من القلق يستدعي تدخلاً في أعلى مستوى. الملك دعا إلى إعلام حديث ومسؤول وفاعل، فيما الإعلام العمومي ما زال غارقاً في تقاليد البث الخشبي وغياب المهنية والاستقلالية. إنها رسالة ضمنية إلى من يعنيهم الأمر بأن مرحلة الجمود انتهت، وأن استمرار الوجوه نفسها في قيادة المؤسسة لم يعد مقبولاً.

العرايشي الذي عاش كل هذه السنوات في صمت مؤسساتي مطبق، لم يستطع أن يجعل الإعلام العمومي قوة اقتراحية أو مجالاً للتنوع الفكري والثقافي. اكتفى بتسيير إداري لا يترك مساحة للطاقات الجديدة أو المبادرات المبدعة. الملاحظ أن كل القنوات التابعة للشركة الوطنية تبدو متشابهة في خطابها وفي طريقة تناولها للمواضيع، وكأنها تصدر عن عقل واحد يرفض التنوع والاختلاف. هذا الانغلاق هو الذي جعلها تفقد الجمهور تدريجياً، فالمغاربة اليوم لا ينتظرون النشرات المسائية، ولا يتابعون البرامج الحوارية الرسمية، لأنهم لا يجدون فيها أنفسهم.

لقد آن الأوان لوقفة تقييم حقيقية، لأن بقاء العرايشي في موقعه بعد كل هذه المؤشرات يُعتبر عبئاً على الإعلام العمومي. فالرجل، رغم تجربته الطويلة، لم ينجح في مواكبة التحول الرقمي، ولم يفهم أن الإعلام لم يعد يدار من المكاتب المغلقة، بل من الميدان ومن التفاعل المباشر مع الناس. هناك جيل جديد من الصحفيين والمواطنين ينتج محتوى يومياً عبر المنصات، يناقش القضايا بحرية وجرأة، فيما التلفزيون الرسمي يكتفي بلغة تبريرية وأجندة متجاوزة. استمرار هذا الوضع هو إصرار على العيش في زمن لم يعد موجوداً.

إقالة فيصل العرايشي ليست مجرد قرار إداري، بل هي ضرورة لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع عبر بوابة الإعلام. لا يمكن الحديث عن مشروع تنموي جديد أو عن تجديد الخطاب السياسي دون تجديد الإعلام العمومي الذي يفترض أن يكون ناقلاً أميناً لمشاغل الناس. الإصلاح يبدأ من القمة، من تغيير الوجوه التي طال مقامها حتى صارت عنواناً للجمود. إذا كانت هناك مؤشرات على نهاية مرحلة العرايشي، فهي ليست فقط في الملفات القضائية أو الإشارات الملكية أو الحركات الاحتجاجية، بل في نظرة المواطن نفسه الذي لم يعد ينتظر من التلفزيون العمومي شيئاً.

لقد انتهى زمن الإعلام الأحادي، وانتهى معه زمن الرجل الواحد. والذين يعتقدون أن بقاء فيصل العرايشي هو ضمان للاستقرار، يخطئون في فهم المعادلة الجديدة. الاستقرار اليوم يمر عبر الشفافية، والمحاسبة، والانفتاح، لا عبر الإبقاء على وجوه شاخت في مواقعها. المغرب الذي يتغير في الاقتصاد والسياسة والمجتمع، يحتاج إلى إعلام عمومي حديث وشجاع يواكب هذه التحولات. ولكي يتحقق ذلك، لا بد أن تُغلق صفحة العرايشي، ويُفتح عهد جديد يضع المواطن في قلب السياسات الإعلامية، لا في هامشها.

رحيل العرايشي لن يكون خسارة لأحد، بل سيكون بداية لولادة إعلام عمومي يستحق المغاربة، إعلام لا يخاف من النقاش، ولا يتستر على الأخطاء، ولا ينتظر التعليمات ليقول الحقيقة. لقد تأخّر التغيير كثيراً، لكنّ كل المؤشرات تقول إن زمن فيصل العرايشي وصل إلى نهايته الحتمية.