افتتاحية

الحكومة والتلفزيون

تبدو العلاقة بين الحكومة والتلفزيون في المغرب علاقة متوترة ومشوبة بكثير من سوء الفهم والالتباس. فهي علاقة لا تخلو من صراع على الصورة، ومن تنافس على من يحتكر الخطاب الموجه إلى الرأي العام، ومن رغبة دفينة في تسجيل الأهداف الرمزية، وكأننا أمام مباراة لا تنتهي بين السياسي والإعلامي، بين سلطة القرار وسلطة الكاميرا. لكن المثير في المرحلة الراهنة هو بروز تيار مفاجئ داخل التلفزيون، أو على الأقل في بعض برامجه، يصنع بطولات وهمية، ويضفي على بعض الوجوه الإعلامية هالة من الجرأة والمواجهة، بينما الواقع يقول شيئاً آخر: أن التلفزيون العمومي فقد هيبته منذ زمن، وأن ما تبقى ليس سوى ارتعاشات ضعيفة في جسد مريض.
لقد كانت ليلة الأحد مناسبة جديدة لكشف هذه المفارقات الوقت الذي ظهر فيه برنامج جامع كلحسن أكثر مهنية وأقرب إلى هموم الناس، خرجت مقدمة نشرات الأخبار بالقناة الثانية، سناء رحيمي، في حالة انتشاء غريبة، وكأنها سجلت هدفاً تاريخياً في مرمى الحكومة. كان المشهد أقرب إلى احتفال كروي منه إلى تقديم مادة إخبارية يفترض فيها التحفظ والرصانة. غير أن هذا “الهدف” لم يكن في الواقع سوى وهم صنعته بعض المنصات الاجتماعية التي بالغت في النفخ في الواقعة، وحولتها إلى بطولة مزعومة.
هنا يطرح السؤال: لماذا يصر بعض الإعلاميين على تحويل التلفزيون إلى مسرح للمبارزات الرمزية الفارغة؟ ولماذا نجد أنفسنا أمام خطاب هجومي أو استعراضي يفتقد العمق المهني، ويعوض نقصه بالانفعال والتهويل؟ الجواب في جزء منه يعود إلى الأزمة البنيوية التي يعيشها التلفزيون العمومي المغربي منذ سنوات طويلة، أزمة تتعلق بفقدان الثقة والهيبة معاً.
التلفزيون المغربي، كما هو معروف، لا يفتح أبوابه للنقاش الجدي إلا حين تندلع الاحتجاجات في الشارع، وحين “مايبقى عندو ما يحبس”. يكفي أن نستحضر مرحلة 20 فبراير، حيث اضطرت القنوات الرسمية وقتها إلى تخصيص برامج استثنائية للحديث عن “الحراك”، وكان مصطفى العلوي، الإعلامي الراحل، يقدم حلقات خاصة تحاول اللحاق بنبض الشارع، بعدما فقد التلفزيون زمام المبادرة لسنوات. كانت تلك المرحلة درساً بليغاً: الإعلام العمومي لا يستيقظ إلا على وقع الصدمات، ولا يتحرك إلا حين تفرض عليه الأحداث أن يتحرك.
لكن المشكل أن هذا الدرس لم يُستوعب جيداً. فبعد مرور أكثر من عقد على احتجاجات 2011، لا يزال التلفزيون يكرر نفس الأخطاء: إغلاق المساحات أمام النقاش العمومي الجاد، واستضافة نفس الوجوه المكررة، والاعتماد على أسلوب “التصريف” بدل التحليل، وكأن المطلوب هو مجرد ملء الهواء وليس صناعة رأي عام واعٍ. في المقابل، حين يظهر صوت جديد أو صحافي يحاول الخروج من النمط المعتاد، فإنه يقع في فخ آخر: فخ البطولة الوهمية، التي تعوض عن ضعف البنية التحريرية بإثارة مفتعلة.
لسنا هنا بصدد الدفاع عن الحكومة. فهي، في نهاية المطاف، تملك كل الآليات والأدوات للدفاع عن نفسها، من منابر رسمية ومؤسسات حزبية وشبكات تواصل اجتماعي. الحكومة ليست ضعيفة حتى تحتاج من يذود عنها في بلاطوهات التلفزيون. لكن ما ندافع عنه، في العمق، هو هيبة التلفزيون نفسها، تلك الهيبة التي تحولت إلى ذكرى باهتة بفعل سياسات إدارية متحجرة، وبفعل ضعف في الرؤية الاستراتيجية للإعلام العمومي، وأيضاً بفعل سلوك بعض المنتسبين للمهنة الذين فضلوا لعب دور “المؤثر” بدل “الصحافي”.
إن وظيفة الصحافي في التلفزيون ليست أن يفرح كما يفرح مشجع كرة قدم، وليست أن يتباهى بكونه أحرج وزيراً أو سجل نقطة ضد الحكومة. وظيفة الصحافي أن ينقل الوقائع بموضوعية، أن يطرح الأسئلة الحقيقية، أن يفتح النقاش حول السياسات العمومية دون تهويل ولا تهوين. وظيفة الصحافي أن يساهم في تنوير الرأي العام، لا في صناعة معارك وهمية يتابعها المشاهد بدهشة ثم ينصرف عنها سريعاً.
حين نقارن بين أداء برنامج جامع كلحسن وبين ما قدمته سناء رحيمي، نجد الفرق واضحاً. فالأول قدم نقاشاً رصيناً، استضاف ضيوفاً مختلفين، وأدار الحوار بطريقة مهنية جعلت المشاهد يستفيد، حتى لو لم يقتنع بكل ما قيل. أما الثانية فقد بدت كمن يبحث عن لحظة إثارة عابرة، وانتهى بها الأمر إلى أن تصبح موضوع جدل على المنصات أكثر مما أصبحت موضوع نقاش جاد. وهذا الفارق هو الذي يختصر أزمة التلفزيون: غياب وضوح في المعايير المهنية، وتيه بين خدمة المشاهد وخدمة “الترند”.
الخطورة في الأمر أن هذا المسار يعمق فقدان الثقة في الإعلام العمومي. فالمواطن الذي يرى التلفزيون يغلق أبوابه في الأوقات العادية، ثم يفتحها فقط في زمن الاحتجاج، لن يثق في نواياه. والمشاهد الذي يلمس غياب الجدية والمهنية في التغطية، لن يجد سبباً ليجلس أمام الشاشة بدل أن يفتح هاتفه ويشاهد نقاشات أوسع وأكثر حرية على “يوتيوب” أو “تيك توك”. وهنا بالذات يبرز التحدي: التلفزيون، إذا استمر في هذه السياسة، سيخسر معركته مع الأجيال الجديدة التي لم تعد تؤمن بوسائل الإعلام التقليدية.
لقد كان يمكن للتلفزيون أن يلعب دور الوسيط النزيه بين الحكومة والمجتمع. كان يمكن أن يتحول إلى فضاء لمساءلة السياسات العمومية بجدية، ولعرض مختلف وجهات النظر بإنصاف. لكن ما حصل هو العكس: إما غياب تام للنقاش، أو حضور باهت لا يقنع أحداً، أو بطولة وهمية تنتهي في “فيسبوك” و”تويتر” قبل أن تنطفئ بسرعة.
إن الدفاع عن هيبة التلفزيون ليس دفاعاً عن الحكومة. فالحكومات تأتي وتذهب، لكن المؤسسات الإعلامية تبقى. والخطر الحقيقي ليس أن ينتعش صحافي أو مقدمة أخبار بوهم تسجيل هدف، بل أن يظل التلفزيون كله خارج الملعب، متفرجاً على ما يجري في الشارع وفي المنصات الرقمية، عاجزاً عن مواكبة زمن جديد، وعن استعادة دوره كخدمة عمومية في مجتمع يتغير بسرعة.
لقد حان الوقت لمراجعة شاملة. مراجعة تبدأ من تحرير التلفزيون من الجمود الإداري ومن القيود البيروقراطية التي تكبله، وتمتد إلى إعادة الاعتبار للمهنية الحقيقية التي لا تبنى على الصراخ ولا على الارتجال، بل على العمل الرصين والمتراكم. مراجعة تجعل من الإعلام العمومي مجالاً لتقاطع كل الآراء، لا مجرد صدى لصوت واحد أو حلبة لتوزيع الأهداف الوهمية.
إن استعادة هيبة التلفزيون ليست مسألة تقنية ولا مجرد قرار إداري. إنها خيار سياسي ومجتمعي في العمق. لأن إعلاماً ضعيفاً يعني مجتمعاً بلا مرآة، وحكومة بلا مساءلة، ومواطنين بلا ثقة. والإعلام القوي، المهني، هو الذي يربح الجميع بفضله: تربح الحكومة لأنها تُفهم وتُصحح، ويربح المجتمع لأنه يُسمع ويُعبر، ويربح الصحافي لأنه يؤدي رسالته الحقيقية بلا ادعاء ولا بطولة زائفة.