أخنوش..تواصلٌ جديدٌ

عزيز أخنوش، رئيس الحكومة وزعيم حزب التجمع الوطني للأحرار، يبدو أنه بصدد صياغة ملامح جديدة لطريقة حضوره السياسي والتواصلي. فزيارته الأخيرة إلى منطقة الحوز، وما تلاها من نشاط حزبي بمدينة مراكش، لم تكن مجرد تحركات عابرة في أجندة مزدحمة، بل شكلت لحظة مفصلية في إعادة رسم العلاقة بينه وبين الرأي العام، وبين المسؤولية الحكومية والالتزام الحزبي. هذه الدينامية، الممزوجة بين الرسمي والسياسي، تترجم وعياً متنامياً بأهمية مخاطبة المواطن وجهاً لوجه، وإرسال إشارات واضحة بأن زمن الانعزال أو الاكتفاء بالتدبير الصامت لم يعد ممكناً.
لقد كان الظهور الإعلامي الأخير لرئيس الحكومة عبر قنوات القطب العمومي مؤشراً على هذا التحول. لأول مرة، بدا الرجل أقرب إلى المواطنين، يتحدث بصراحة عن حصيلة حكومته، وعن التحديات والآفاق، في محاولة لتبديد الصورة النمطية التي طالما لاحقته باعتباره شخصية تفضل الصمت وتتفادى المواجهة المباشرة. ولعل هذه الخطوة عززتها جولته إلى الحوز، حيث لم يكتف بممارسة دوره كمسؤول حكومي، بل حرص على ارتداء عباءة السياسي القريب من الناس، المستمع لانشغالاتهم والمقدم لوعود عملية، قبل أن ينتقل إلى مراكش ليجسد البعد الحزبي في تواصله، مستحضراً استحقاقات سياسية وتنظيمية مقبلة.
حين تولى أخنوش رئاسة الحكومة سنة 2021، كان يراهن على الصمت كتكتيك، ويفضل أن يتوارى خلف وزرائه ويترك لهم واجهة التواصل مع الإعلام والرأي العام. غير أن هذا الخيار تحول سريعاً إلى نقطة ضعف، حيث وجد نفسه محاطاً بانتقادات متكررة من المعارضة ومن المواطنين على حد سواء، بسبب غياب خطابه المباشر، في وقت كانت فيه البلاد تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية صعبة. ومع تراكم الضغوط، أصبح من الواضح أن مسؤولية رئاسة الحكومة لا يمكن أن تنفصل عن واجب التواصل، وأن أي رئيس حكومة في الزمن الراهن لا يستطيع أن يكتفي بتدبير الملفات بعيداً عن الأنظار.
من هنا جاءت خطوة الحوار التلفزيوني، التي فتحت الباب أمام صورة جديدة لأخنوش، صورة رئيس حكومة يحاول شرح سياساته والدفاع عنها، بدل الاكتفاء بالصمت. هذه النقلة لم تكن مجرد تغيير في الشكل، بل تعبير عن إدراك متأخر لحقيقة أن التواصل لم يعد ترفاً سياسياً، بل ضرورة لضمان الاستقرار وتعزيز الثقة. وما الزيارة الميدانية للحوز إلا امتداد لهذا الإدراك، فهي تجسيد ميداني لفكرة الحضور المباشر بين الناس، وتأكيد على أن الحكومة ليست مجرد مؤسسة بعيدة في الرباط، بل جهاز حاضر على الأرض، يستمع ويواكب.
إن لهذه الزيارة رمزية خاصة، فالحوز منطقة تحمل ندوب الزلزال الذي ضربها العام الماضي، وما خلّفه من آثار إنسانية واقتصادية عميقة. وجود رئيس الحكومة في هذا السياق، محاطاً بالمواطنين والمسؤولين المحليين، يعطي رسالة مفادها أن الدولة لم تنس التزاماتها تجاه المناطق المتضررة، وأن رئيس الحكومة حاضر ليتابع بنفسه سير الأشغال وإيقاع إعادة الإعمار. هذه الرسالة تكتسب قيمة مضاعفة حين تصدر عن رئيس يُتهم عادة بالبعد عن الناس، إذ تصبح بمثابة محاولة لتصحيح الصورة وإعادة بناء الجسور.
لكن الأمر لا يقف عند البعد الحكومي، فانتقال أخنوش إلى مراكش ليواصل التواصل بصفته رئيساً لحزب التجمع الوطني للأحرار، يكشف أن الرجل يريد أن يجمع بين صفتيه في آن واحد: رجل الدولة والقائد الحزبي. هذا التداخل بين الرسمي والسياسي قد يثير التساؤلات حول الحدود الفاصلة بين المسؤولية الحكومية والممارسة الحزبية، لكنه في الآن نفسه يمنحه فرصة لتقوية موقعه، ما دام قادراً على إظهار الانسجام بين ما يقوله كرئيس للحكومة وما يدافع عنه كزعيم حزبي. التحدي هنا يكمن في الحفاظ على هذا التوازن دون السقوط في تناقض قد يضر بالصورة العامة.
في العمق، ما يقوم به أخنوش اليوم هو محاولة لتأسيس علاقة جديدة مع المواطن، علاقة لا تقوم فقط على القرارات الصادرة من فوق، بل على تواصل مباشر قائم على الشرح والإنصات. والمواطن المغربي، في ظل الأوضاع الراهنة، لا يبحث فقط عن الخطاب، بل يريد أن يرى انعكاسه في حياته اليومية: أسعار أقل وطأة، فرص عمل أكثر عدلاً، خدمات صحية وتعليمية ذات جودة، وإصلاحات ملموسة يشعر بها في تفاصيل يومه. فإذا استطاع رئيس الحكومة أن يجعل من حضوره الإعلامي والميداني جسراً نحو تحقيق هذه المطالب، فسوف ينجح في تحويل التواصل من مجرد أداة علاقات عامة إلى سياسة حقيقية تعزز الثقة.
التجربة السياسية علمتنا أن المبادرات التواصلية قد تبدأ بزخم كبير لكنها قد تخبو إذا لم تستند إلى رؤية واضحة واستمرارية منتظمة. من هنا، فإن السؤال الأساسي الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل هذا النفس التواصلي الجديد مجرد تكتيك ظرفي فرضته الضغوط وانتقادات الغياب، أم أنه خيار استراتيجي سيستمر حتى نهاية الولاية الحكومية؟ إن الجواب سيُحدد ليس فقط صورة أخنوش، بل أيضاً صورة حكومته ووزنه السياسي في المرحلة المقبلة.
إن التواصل في زمن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية ليس رفاهية ولا دعاية انتخابية، بل هو شرط أساسي لضمان انخراط المواطنين في مجهود الإصلاح. والحكومة التي لا تتواصل محكوم عليها بفقدان الثقة حتى لو أنجزت إصلاحات مهمة، بينما قد تنجح حكومة أخرى في كسب رصيد سياسي كبير فقط بفضل حسن إدارة التواصل ووضوح خطابها. من هذا المنطلق، يمكن القول إن أخنوش قد فتح باباً جديداً في مساره السياسي، باباً قد يكون فرصة لإعادة تشكيل صورته وتحصين موقعه، لكنه في الآن ذاته اختبار حقيقي لمدى قدرته على ربط القول بالفعل.
لقد بدأ رئيس الحكومة رحلة جديدة عنوانها الحضور والتواصل، وهي رحلة قد تمنحه فرصة ثانية لإقناع الرأي العام بجدية مشروعه الحكومي. غير أن النجاح لن يقاس بعدد الزيارات ولا بعدد المقابلات الإعلامية، بل بما يترتب عنها من قرارات ملموسة ونتائج واضحة. وإذا استطاع أن يجعل من هذا التواصل الجديد مدخلاً لإصلاح فعلي يلامس حياة الناس، فإن صورته ستتغير فعلاً، أما إذا ظل الأمر في حدود الصورة والخطاب، فسيظل مهدداً بالعودة إلى مربع الانتقاد والاتهام بالغياب.
إن أخنوش اليوم أمام مفترق طرق، فإما أن يجعل من تواصله الجديد نهجاً دائماً يترجم في السياسات والقرارات، فيعيد بناء الثقة بين الحكومة والمواطن، وإما أن يكتفي بالصور واللقاءات العابرة، فيبقى رهين ظرفية لا تتجاوز حدود لحظة إعلامية عابرة. وفي كل الأحوال، فإن الرأي العام سيبقى هو الحكم النهائي على مدى صدقية هذا التحول، وعلى قدرة رئيس الحكومة على جعل التواصل أداة فعل حقيقي لا مجرد واجهة شكلية.


