الحموشي، التامك والعرايشي

شهد هذا الأسبوع حدثين بارزين في المغرب، الأول كان خروج ناصر الزفزافي من السجن لحضور جنازة والده، والثاني كان افتتاح ملعب مولاي عبد الله في حلته الجديدة بالرباط. في الحدثين معاً حضرت أسماء ثلاثة أضحت واجهة لمؤسسات الدولة: محمد صالح التامك، المندوب العام لإدارة السجون، عبد اللطيف الحموشي المدير العام للأمن الوطني والمدير العام لمراقبة التراب الوطني، وفيصل العرايشي الرئيس المدير العام للشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة. لكن الفارق بين حضور هؤلاء الثلاثة كان صارخاً؛ اثنان رسّخا صورة إيجابية ووازنة عن الدولة، فيما الثالث جرّ معها إلى مزيد من الإخفاق والفضائح.
القرار الذي سمح بخروج ناصر الزفزافي من السجن لحضور جنازة والده لم يكن قراراً عادياً. هو لحظة إنسانية كاشفة عن عقلية تدبيرية جديدة داخل إدارة السجون يقودها محمد صالح التامك. لم يكن الزفزافي مكبلاً ولا محاطاً بجيوش من رجال الأمن، بل خرج مواطناً في ظرف إنساني استثنائي، لتتم مراعاة وضعه كابن يودع أباه. هذا القرار لم يعبّر فقط عن حكمة التامك، بل عن إرادة الدولة في تمرير رسالة إلى الرأي العام مفادها أن القانون يمكن أن يزاوج بين الصرامة والمرونة، وأن المؤسسة السجنية ليست سجناً أعمى وإنما فضاءً ينظم العلاقة بين الحرية والعقوبة في إطار إنساني. التامك بهذا السلوك أعاد الاعتبار لمفهوم المقاربة الحقوقية في أفقها العملي، بعيداً عن الشعارات أو المزايدات.
لكن القاسم المشترك الأهم في هذا الحدث، كان حضور عبد اللطيف الحموشي ورجاله. لقد تعاملت الأجهزة الأمنية في الحسيمة مع الموقف بذكاء نادر. لم يكن هناك استعراض للقوة، ولا استفزاز للجماهير، بل كان هناك تقدير لحساسية الظرف ولرمزية الشخصية. بهذا التصرف أثبتت المدرسة الأمنية التي يقودها الحموشي أنها مدرسة تقوم على ضبط الأعصاب، وعلى الحكمة في إدارة المشاهد المعقدة، وهو ما جعل صورة الدولة أكثر هدوءاً وأكثر توازناً في أعين الرأي العام المحلي والدولي.
وإذا كان الحموشي قد ظهر عبر رجاله في الريف، فإنه ظهر شخصياً وبشكل لافت في الرباط خلال افتتاح ملعب مولاي عبد الله. كان حضوره وسط المسؤولين والجماهير بمثابة رسالة قوية عن مكانة الأمن في قلب كل مشروع وطني كبير. طلعته الهادئة والواثقة لم تكن مجرد تفصيل بروتوكولي، بل كانت تأكيداً على أن المغرب يربط بين الرياضة والأمن، بين التنظيم والاستقرار، وأن الرجل الذي يحمل على عاتقه حماية البلاد لا يتوارى في المناسبات الكبرى، بل يطل ليعكس صورة الأمن كركيزة من ركائز النجاح الوطني. حضور الحموشي في الملعب كان أقوى من كل الكلمات التي قيلت في بلاطوهات التلفزة، لأنه اختزل العلاقة بين الدولة ومواطنيها في صورة رجل أمن يشاركهم لحظة فخر جماعية.
وإذا كان التامك والحموشي قد قدما الوجه المشرق لمؤسسات الدولة، فإن الوجه المظلم تجسد مرة أخرى في فيصل العرايشي. فبينما كان الجميع ينتظر أن تكون الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة في مستوى حدث افتتاح “أمير الملاعب”، تحولت قناة الرياضية إلى مهزلة بكل المقاييس. بلاطو بئيس، محتوى مرتبك، إخراج ضعيف، ومظهر لا يليق ببلد يتهيأ لاحتضان كأس العالم. لقد فوت العرايشي مرة أخرى فرصة للتاريخ، تماماً كما فوت عشرات الفرص من قبل.
العرايشي الذي قضى سنوات طويلة على رأس مؤسسة حيوية، لم يقدم للمغاربة سوى الخيبات. في وقت يراكم فيه المغرب نجاحات في الأمن والتنمية والبنية التحتية، يصر الإعلام العمومي على أن يكون الاستثناء السلبي. المفارقة أن ميزانيات ضخمة تُصرف على قنوات خاوية لا تشبه المغاربة في شيء، بينما الإعلام الدولي يتحدث عن المغرب كقوة صاعدة في المنطقة. العرايشي أصبح عنواناً للجمود، وبقاؤه في منصبه صار لغزاً يسيء لصورة المغرب أكثر مما يخدمها.
ما بين صورة التامك وهو يزاوج بين الصرامة والإنسانية، وصورة الحموشي وهو حاضر بوزن وطلعة في قلب ملعب الرباط، وصورة العرايشي وهو يضيف فضيحة جديدة إلى رصيده المثقل، يمكن تلخيص معادلة هذا الأسبوع. الدولة المغربية تملك رجالاً يجسدون المسؤولية والاحترافية، لكنها في المقابل تتحمل عبء مؤسسات عالقة في زمن الفشل. وإذا كان من عبرة تُستخلص من هذا التباين، فهي أن المغرب الذي يستعد لرهانات كبرى لا يمكن أن يستمر في حمل تناقض بهذا الحجم: أن تبني مؤسسات كالأمن والسجون صورة إيجابية وقوية، بينما يهدم الإعلام العمومي كل ذلك في لحظة واحدة.
لقد أثبتت الأحداث أن عبد اللطيف الحموشي صار القاسم المشترك في كل لحظة كبرى يعيشها المغرب، سواء من خلال رجاله الذين يضبطون المشاهد المعقدة بحكمة، أو من خلال حضوره المباشر الذي يعكس قوة الدولة وهيبتها. إلى جانبه يبرز محمد صالح التامك كمسؤول يرسخ البعد الإنساني في مؤسسة صعبة بطبيعتها، بينما يظل فيصل العرايشي رمزاً للفشل المستمر. وفي المحصلة، فإن مستقبل المغرب يحتاج إلى المزيد من الحموشي والتامك، وأقل ما يمكن من العرايشي.


