هراء “لوموند”

إفتتاحية “الصباح” لعدد الجمعة
في سقطة جديدة تعكس أزمة مهنية وأخلاقية عميقة، نشرت جريدة “لوموند” الفرنسية ما سمته تحقيقًا عن المغرب، وهو في جوهره خليط مرتبك من روايات متناقضة، يفتقر إلى أدنى معايير الصحافة، ويكشف عن جهل فادح بتاريخ مؤسسات المغرب وصلابتها.
حاول منشور “لوموند” تصوير المغرب كدولة تعيش تفككًا مؤسسيًا، وذهب بعيدًا حين تجرأ على الخوض في صحة جلالة الملك محمد السادس، متجاهلًا حقيقة راسخة يعرفها العالم، وهي أن المؤسسة الملكية دأبت على التعامل مع هذا الملف بشفافية وانفتاح إعلامي لا نجده حتى في تاريخ فرنسا نفسها، التي اعتاد رؤساؤها السابقون التستر على أوضاعهم الصحية حتى الرمق الأخير.
لا يرقى المنشور الفرنسي حتى إلى مستوى الرأي الشخصي، بل يقترب من العبث الصحافي، إذ يروج روايات واهية عن مؤسسات المغرب، متناسيًا أن هذه المؤسسات صمدت أمام محاولات العبث منذ عقود، بما فيها فترة الاستعمار الفرنسي، الذي فشل رغم جبروته آنذاك في زعزعة تماسك الدولة تحت قيادة الملك المغفور له محمد الخامس، أو في حقبة الملك الراحل الحسن الثاني، طيب الله ثراه، الذي واجه تحديات أعقد وأخطر.
ويدرك من قرأ منشور “لوموند” سريعًا أن كاتبيه وقعوا في فخ الجهل والسذاجة، لأنهم كتبوا دون بحث أو توثيق، مكتفين بسرديات مستهلكة، لا تحمل سوى فراغ مهني، خاصة أنه يأتي في سياق حملة إعلامية منسقة تتبنى خطًا تحريريًا موحدًا ضد المغرب.
فخلال أسبوع واحد فقط، تحركت ماكينة الدعاية المعادية للمملكة بشكل لافت، سواء عبر منابر إسبانية روجت لأسطورة “صراع الأجهزة”، أو منصات مشبوهة عممت أكاذيب هزلية، ليتم التقاطها من طرف وسائل الإعلام الجزائرية ومواقع “البوليساريو”، لتعيد تدويرها بوقاحة، ثم تضخيمها عبر حسابات مأجورة على مواقع التواصل الاجتماعي.
ويفضح توقيت منشور “لوموند” التنسيق الواضح بين الجهات التي تقف وراء الحملة، فالوجوه الانفصالية والهاربون من العدالة سارعوا إلى تكرار الخطاب نفسه، في انسجام كامل مع ما تم تسويقه عبر الإعلام الدولي الموجَّه، في محاولة مكشوفة لضرب الثقة بين المغاربة ومؤسساتهم. لكن ما يغيب عن هؤلاء أن المغاربة يدركون تمامًا طبيعة هذه المؤامرات، وأنها لا تترك إلا أثرًا عكسيًا، إذ تعزز التماسك الداخلي وتكشف بأس الخصوم.
وما يثير السخرية أكثر أن “لوموند”، المعروفة بميولها اليسارية وقربها من دوائر صناعة القرار في باريس، فشلت فشلًا ذريعًا في المهمة التي أُسندت إليها، إذ كان الأجدر بها أن توجه جهودها إلى ملفات حقيقية، مثل التراجع المقلق للدور الفرنسي على الساحة الدولية، وتقلص نفوذ باريس في أوروبا، وأزماتها الدبلوماسية والاقتصادية المتفاقمة، أو حتى ما بات واضحًا من جرأة النظام الجزائري الذي تطاول على فرنسا نفسها، رغم أنه من صنيعتها.
ما نشرته “لوموند” ليس تحقيقًا ولا تحليلًا موضوعيًا، بل نص يفتقر إلى المهنية والعمل الصحافي، ويكشف أن الجريدة تحولت إلى أداة لخدمة أجندات معادية للمغرب. لكن المثير أن هذه السقطة لم تحقق مبتغاها، بل أكدت مرة أخرى أن استقرار المغرب وصلابة مؤسساته بطلان عظيم على محاولات التشويه، وأن سهام الحملات المغرضة لا تصيب سوى مطلقيها، فتعود لترتد إلى صدورهم، معلنة إفلاسهم أمام قوة المملكة وصلابة بنيانها.


