نفاق الأغلبية

في السياسة، كما في الحياة، لا شيء أكثر خطراً من النفاق؛ حين يتظاهر خصمك بأنه حليف، ويرتدي القناع ذاته الذي ترتديه، يبتسم في وجهك صباحاً، ويدس لك الخنجر مساءً. ذلك بالضبط ما يبدو أن رئيس الحكومة المغربية، عزيز أخنوش، يواجهه داخل التحالف الحكومي الحالي.
لم يكن الرجل يوماً سياسياً بارعاً في معنى المناورة التقليدية، ولم يخفِ ذلك، هو نفسه يكرر في أكثر من مناسبة أنه جاء من عالم الأعمال إلى عالم الحكم، بعقلية رجل تدبير لا رجل مؤامرات. لكنه للأسف وجد نفسه وسط دائرة سياسية ضيقة حيث “النية” وحدها لا تكفي، وحيث يُنتج الخبث السياسي أكثر مما تنتجه صناديق الاقتراع.
اليوم، وحسب معطيات موثوقة، هناك مؤامرة صامتة داخل الأغلبية الحكومية تستهدف رئيسها من حيث لا يدري، ومن رفاق له يفترض فيهم الدعم والنصيحة لا الطعن والغدر. الغريب أن أركان هذه المؤامرة لا تأتي فقط من أطراف المعارضة التي تحتفظ بموقفها العلني، بل من بعض حلفاء الحكومة ذاتهم، خاصة داخل حزب الأصالة والمعاصرة.
قادة حزب الاستقلال، رغم ملاحظاتهم المشروعة على أداء الحكومة، ظلوا إلى حدود الساعة يتصرفون بقدر عالٍ من النضج السياسي، يديرون خلافاتهم داخل المؤسسات، ولا يلجأون إلى ضربات تحت الحزام، وهو أمر يُحسب لهم. أما داخل الأصالة والمعاصرة، فهناك من يقدمون أنفسهم كحلفاء موثوقين، لكنهم في الخفاء يديرون تحالفات موازية مع “يوتيوبرز” و”صحافيين” ومديري نشر، مستفيدين من التمويل العمومي والخاص لتصريف رسائلهم المسمومة، التي تستهدف رئيس الحكومة شخصياً، وليس فقط سياساته.
ولعل الأخطر أن من بين هؤلاء شخصية نافذة ترأس جهة كبرى، كان يحلم بالاستوزار ولم يتحقق له ذلك، فانقلب حقده إلى آلة سياسية صامتة لكنها فعالة. وهناك عمدة مدينة كبيرة، يحترف لعبة الواجهتين: ولاء معلن للرئيس، وخطاب خفي في مجالس مغلقة ضد أداء الحكومة. وهناك أيضاً وزير شاب، يتحدث طويلاً عن ترشيد النفقات ومحاربة الريع، لكنه لم يتردد في استعمال المال العمومي لدعم حملات إعلامية تخدم مصالحه الضيقة وتضرب في صميم صورة رئيس الحكومة.
أما أخنوش، فذنبه الوحيد أنه “لاباس عليه مادياً”. هذه الحقيقة التي تتحول في عرف خصومه إلى تهمة غير مكتوبة، تغذي الغيرة قبل أن تغذي الانتقاد السياسي. فالرجل الذي جاء من عالم المال إلى عالم السلطة يحمل معه صراحة الكبار: لا يخفي ثروته، ولا يعتذر عنها، ولا يتقمص شخصية الفقير ليكسب تعاطف الناس. لكنه بذلك أعطى فرصة لمن يعيشون عقدة المال والجاه كي ينسجوا حوله القصص والأساطير.
إن نفاق الأغلبية اليوم لا يهدد أخنوش وحده، بل يهدد استقرار الحكومة كلها. ذلك أن القاعدة البسيطة في كل تحالف سياسي هي الثقة، وحين تتآكل هذه الثقة بين مكونات الفريق الحاكم، يصبح الطريق إلى الشلل الحكومي معبّداً وواضحاً. ما يجري الآن لا يبشر بخير، لا للأغلبية ولا للبلاد، لأن معارك الكواليس لا تنتج حلولاً للأزمة الاقتصادية، ولا تخلق فرص الشغل، ولا تحسن التعليم والصحة، بل تستهلك الزمن السياسي وتعمق أزمة الثقة في المؤسسات.
أخنوش ليس خبيثاً، وربما هذا عيبه الوحيد في هذا المحيط المليء بالذئاب. يمكن أن تختلف معه – ومع حكومته – في السياسات العمومية، في اختياراته الاجتماعية، في قراراته الاقتصادية، لكن من الظلم أن يُحارب الرجل لأنه “مرتاح مادياً”، أو لأنه لا يجيد لعبة المؤامرات الصغيرة التي يتقنها بعض رفاقه.
في النهاية، قد لا يكون أخنوش مثالياً، لكنه بالتأكيد ليس خصم الأغلبية الوحيد. خصمه الأول الآن هو نفاق بعض من يحيطون به… أولئك الذين يقسمون يمين الولاء صباحاً، ويخططون للغدر مساءً.
وهكذا، تفضح السياسة مرة أخرى نفسها، وتكشف أن “نية” أخنوش، كما قال في لحظة صدق، لم تنفعه في مواجهة “خبث” من يفترض فيهم أن يكونوا حلفاءه.


