افتتاحية

ارتدادات حوار مع “الصباح”

الارتدادات، في معناها المعجمي، هي الآثار اللاحقة أو الانعكاسات غير المباشرة التي تلي حدثاً ما، فتتمدد كأمواج تتجاوز مكان الحدث وزمانه لتطال مساحات أخرى لم تكن في الحسبان. وقد تكون هذه الارتدادات إيجابية محفزة، أو سلبية مربكة، لكنها في كل الأحوال، دالة على أن ما وقع لم يكن أمراً عادياً.

بهذا المعنى، لم يكن الحوار الذي أجرته معي الزميلة كريمة مصلى، ضمن ملف “الجامعة ستر ماستر الله” المنشور بجريدة “الصباح”، مجرد حديث عابر. كان قراءة قانونية موسعة ومقترح حلول عملية، لكنه تحوّل إلى ما يشبه لحظة مفصلية أعادت ترتيب كثير من المواقع، وأعادت طرح أسئلة كثيرة عن العلاقة بين الصحافة، والقانون، والجامعة، وحرية التفكير.

جريدة “الصباح” وهي واحدة من كبريات الصحف المغربية وأكثرها انتشاراً وتأثيراً، لم تنشر لي فقط حواراً، بل منحتني منبراً في عدد نهاية الأسبوع، وهو ما يعني تلقائياً جمهوراً واسعاً واهتماماً مضاعفاً. لكنني، وبكل صراحة، لم أكن أتوقع أن يكون للحوار كل هذه الارتدادات، لا سيما أنني تعودت على أن أُقرأ وأُفهم في أوساط محددة. غير أن ما وقع بعد النشر كان مختلفاً تماماً.

عشرات الاتصالات انهالت عليّ من أساتذة جامعيين، رؤساء جامعات، عمداء كليات، وفاعلين في الحقل الأكاديمي والقانوني، بعضهم من أصدقائي وبعضهم لم أعرفه من قبل. أساتذة أثنوا، رؤساء طلبوا نسخاً من الجريدة، وطلبة ناقشوا محتوى الحوار في مجموعاتهم. لقد فتح الحوار نقاشاً واسعاً حول أوضاع الجامعة المغربية، ومسؤولية الفاعلين فيها، وأفق الإصلاح المنشود.

لكن مع هذا التفاعل الإيجابي، خرجت من الجحور أصوات كانت تراقب بصمت، وتحسب على كل كلمة. فوجئتُ ببعضهم، من الذين لا يُفترض أن تزعجهم كلمات قانونية رصينة، وقد استشاطوا غضباً، لا من موقفي، بل من منبر النشر نفسه. وكأنهم صدموا حين رأوني أحاور الصباح، وكأن في ذلك كسراً لتوازنات سرية أو خلطاً لأوراق لا يريدون لها أن تختلط.

والأدهى، أنني اكتشفت أن جزءاً غير يسير من تحالف الشر، الذي لم يكلّ يوماً عن محاولة دفعي نحو العتمة، والذي جرّني إلى المحاكم ومخافر الشرطة ومكاتب الفرقة الوطنية، سوق طويلاً لفكرة أنه يملك “مفاتيح الصباح”. ومنطق “المفاتيح” هذا لا علاقة له بفهمي للصحافة أو لممارسة العلاقات الإنسانية. أنا لا أبحث عن مفاتيح، ولا أخبئ علاقاتي مع الناس مهما علت أمكنتهم أو صغرت. والصداقة التي تجمعني بالأستاذ والصحافي الكبير خالد الحري، مدير نشر الصباح، ليست سراً ولا مؤامرة. هي صداقة زمالة وفكر واحترام متبادل.

خالد الحري، اسم لا يحتاج إلى تعريف. مرجع صحافي، وأستاذ جيل، لا يختلف عليه اثنان، ولا يتناطح عليه عنزان، كما يقول المثل المغربي. مجرد ظهوري في منبر يشرف عليه الحري، كان كافياً لخلخلة صفوف خصوم لا يزعجهم موقفي بقدر ما يزعجهم أن يكون لي منبر. سيأتي يومٌ أتحدث فيه عن خالد الذي أعرفه عن قرب، وأكتب عنه كما يجب، لكنني اليوم أقول إن هذا الحوار مع الصباح، سيبقى في ذاكرتي المهنية لحظة مضيئة، ومرجعاً شخصياً، ودليلاً على أن الصحافة، مهما اشتدت رياح التجييش ضدها، تظل المنبر الحرّ لمن يحترم الكلمة ويؤمن بالموقف.

وكما هو متوقع، لم يكن الحوار موضع إجماع. فكما تلقيت رسائل تأييد وتشجيع، طفت أيضاً على السطح تعليقات تحاول أن تُبخّس أو تُشوّش. منهم من سارع لتأويل مضامين الحوار، ومنهم من قرأ بين السطور ما لم يُكتب، ومنهم من استغل المناسبة ليعيد طرح عدائه القديم مع كل ما أمثله من رؤية مستقلة وكلمة مسؤولة. وهنا أقول: لا يزعجني النقد، بل أرحب به، شريطة أن يكون مؤسساً على قراءة لا على نية، وعلى منطق لا على ضغينة.

في الختام، إذا كانت هذه الارتدادات قد علمتني شيئاً، فهي أن الكلمة الصادقة، حين تُقال في منبر يحترم نفسه، تصنع أثرها، وتكشف من كان يختبئ خلف الضباب. أما أنا، فأواصل طريقي، مؤمناً بأن الحوار الجاد هو أرقى أشكال الفعل الصحافي، وأن الصباح، كما عرفتها دائماً، كانت وستظل مدرسة في الصنعة وفناً في العنوان.