من يقود “تمازيغت” إلى برّ الأمان؟

لم يعد السؤال حول من سيقود قناة القناة الأمازيغية تمازيغت في المرحلة المقبلة مجرد فضول عابر لدى المتتبعين، بل تحوّل إلى قضية رأي عام داخل الحقل الإعلامي الأمازيغي. فثلاث سنوات من التدبير المرتبك كانت كافية لتُدخل القناة في دائرة الشك، وتفتح الباب واسعًا أمام نقدٍ لم يهدأ، بل تراكم حتى صار عنوانًا لمرحلة بأكملها.
لقد أفرزت هذه الفترة نقاشًا حادًا حول سؤال الكفاءة قبل كل شيء: هل كان الرجل المناسب في المكان المناسب؟ الواقع أن التجربة أبانت، في نظر كثيرين، عن فجوة واضحة بين طبيعة التكوين المطلوب لتدبير قناة ذات حساسية ثقافية وهوياتية، وبين المسار المهني الذي لا يتجاوز حدود العمل الإذاعي. وإذا كان الاشتغال في الإذاعة الأمازيغية يُعد رصيدًا مهمًا، فإنه لا يكفي وحده لقيادة مؤسسة تلفزية متعددة الرهانات، تتقاطع فيها السياسة الثقافية مع متطلبات الصناعة الإعلامية.
لكن الإشكال لم يقف عند حدود التكوين، بل امتد إلى طريقة التدبير نفسها. فقد طفت إلى السطح انتقادات تتعلق بتدبير طلبات العروض، حيث ساد انطباع بأن منطق “الدائرة الضيقة” كان حاضرًا بقوة، بدل اعتماد معايير الشفافية والتنافسية. وهي ملاحظات لم تأتِ من فراغ، بل من داخل الجسم الإعلامي نفسه، الذي خبر تفاصيل المرحلة وعاش ارتداداتها اليومية.
أما على المستوى الداخلي، فقد اتسمت هذه الفترة بتوترات غير مسبوقة. فبدل أن يُمارس المسؤول دور القائد الذي يوحّد الرؤية ويُحفّز الطاقات، دخلت القناة في دوامة صراعات جانبية، طغت فيها المحاباة على حساب المهنية، وبرزت فيها حسابات ضيقة أضعفت روح الفريق. وهنا بالضبط، يبدأ التراجع الحقيقي: حين يفقد الصحافي والإطار الثقة في المؤسسة، تتحول الرسالة الإعلامية إلى عبء بدل أن تكون مشروعًا جماعيًا.
المفارقة الأكبر أن الخطاب الذي رُوّج في البداية، والقائم على “محاربة الفساد”، سرعان ما فقد بريقه. فبعد ثلاث سنوات، لم يعد هذا الشعار سوى واجهة لفظية، يرى فيها البعض مجرد أداة لتصفية حسابات أو إعادة ترتيب موازين داخلية، لا مشروعًا إصلاحيًا حقيقيًا. وهنا يتعمق الإحباط، لأن الجمهور لا يحاسب فقط على النتائج، بل على صدقية الوعود أيضًا.
ولفهم عمق الأزمة الحالية، لا بد من العودة إلى لحظة التأسيس سنة 2010. لقد كانت ولادة القناة في حد ذاتها مغامرة، بل مغامرة متسرعة حين تقرر إطلاقها في ظرف زمني قياسي بين يناير ومارس. وهو ما جعل الاختلالات الأولى شبه حتمية. ومع ذلك، نجحت القناة، بفضل تضحيات مؤسسيها وصحافييها، في أن تفرض نفسها تدريجيًا داخل المشهد الإعلامي الوطني، رغم ضعف الإنتاج الأمازيغي آنذاك، ورغم الإكراهات البنيوية.
غير أن ما تحقق في تلك المرحلة التأسيسية بدأ يتآكل تدريجيًا بعد إحالة المدير المؤسس على التقاعد. فقد دخلت القناة مرحلة انتقالية لم تُحسن الحفاظ على المكتسبات، فخفت وهجها، وتراجع تأثيرها، ولم تعد بنفس الحضور الذي جعلها يومًا رقمًا صعبًا في الإعلام العمومي.
اليوم، لم يعد النقاش ترفًا، بل ضرورة ملحّة. لأن “دوام الحال من المحال”، كما يُقال، لكن التغيير لا يكون عشوائيًا. إن اختيار المدير المقبل يجب أن يُبنى على معايير واضحة: الكفاءة في التسيير، الفهم العميق للرهان الثقافي الأمازيغي، القدرة على خلق توازنات داخلية صحية، والأهم، الاستقلالية في القرار التحريري.
القناة لا تحتاج إلى مدير يرفع الشعارات، بل إلى قائد يُعيد بناء الثقة من الداخل، ويُحصّن المؤسسة من الضغوط الخارجية، مهما كان مصدرها. تحتاج إلى من يُعيد الاعتبار للمهنية، ويقطع مع منطق الولاءات الضيقة، ويؤمن بأن الإعلام الأمازيغي ليس مجرد نافذة، بل رافعة ثقافية واستراتيجية تفترض تكوينات وتجربة داخل المؤسسات .
السؤال اليوم ليس فقط: من سيقود تمازيغت؟
بل: هل نحن مستعدون لاختيار من يستحق قيادتها فعلًا؟


