الأحرار في الجديدة لتجديد القيادة

سيعقد حزب التجمع الوطني للأحرار، يوم غد السبت، مؤتمره الاستثنائي بمركز المعارض محمد السادس بمدينة الجديدة، في محطة سياسية مفصلية تهدف إلى انتخاب قائد جديد لحزب “الحمامة”، في سياق يتسم بتحولات سياسية وتنظيمية عميقة داخل الحزب، وعلى مستوى المشهد الحزبي الوطني عموماً.
هذا المؤتمر الاستثنائي يُرتقب أن يُزكّي محمد شوكي، رئيس الفريق النيابي للحزب بمجلس النواب والمرشح الوحيد، لخلافة عزيز أخنوش على رأس الحزب، في خطوة تُقرأ سياسياً باعتبارها انتقالاً منظماً للقيادة وليس مجرد تغيير شكلي في الواجهة الحزبية.
يمثل هذا الحدث لحظة سياسية ذات رمزية خاصة، ليس فقط داخل حزب التجمع الوطني للأحرار، بل داخل الحياة الحزبية المغربية ككل، حيث يختار عزيز أخنوش، رئيس الحكومة الحالي، أن يضع حداً لمرحلة طويلة من قيادة الحزب، وأن يفتح الباب أمام جيل جديد من القيادات السياسية لتولي المسؤولية. في بلد اعتادت فيه الأحزاب السياسية على منطق “الزعيم الأبدي” الذي يظل جاثماً على الكرسي لسنوات طويلة، بل لعقود أحياناً، تبدو خطوة أخنوش ذات دلالة عميقة في إعادة الاعتبار لمبدأ التداول الديمقراطي داخل الأحزاب.
لقد ظل مشكل التداول على القيادة واحداً من أعطاب التجربة الحزبية المغربية، حيث تحولت بعض التنظيمات السياسية إلى ملكيات صغيرة لرؤساء تاريخيين أو زعماء مؤبدين، مما أدى إلى جمود تنظيمي، وإلى فقدان الثقة لدى القواعد الحزبية والشباب السياسي، بل وحتى لدى الرأي العام. في هذا السياق، تأتي مبادرة أخنوش كرسالة سياسية واضحة مفادها أن الأحزاب لا يجب أن تُختزل في أشخاص، وأن المؤسسات الحزبية يجب أن تكون أقوى من القيادات الفردية، مهما كانت مكانتها السياسية أو الاقتصادية.
ولا يمكن قراءة هذه اللحظة بمعزل عن السياق الحكومي والسياسي العام. فعزيز أخنوش يقود حالياً الحكومة، ويجد نفسه أمام تحديات اقتصادية واجتماعية وسياسية كبيرة، تتطلب تركيزاً أكبر على تدبير الشأن الحكومي. وبالتالي، فإن التخلي عن رئاسة الحزب قد يُفهم أيضاً كخطوة لتكريس الفصل النسبي بين المسؤولية الحزبية والمسؤولية الحكومية، وهو مبدأ لطالما تمت الدعوة إليه في النقاش السياسي المغربي.
كما أن هذه الخطوة قد تفتح نقاشاً واسعاً داخل باقي الأحزاب حول ضرورة تجديد النخب القيادية، وإفساح المجال أمام التداول الداخلي، بدل الاكتفاء بشعارات الديمقراطية التي لا تنعكس في الممارسة التنظيمية. فإذا كان حزب يقود الحكومة يجرؤ على تغيير قيادته في مؤتمر استثنائي، فإن ذلك يضع باقي التنظيمات السياسية أمام مرآة محرجة، ويعيد طرح سؤال: إلى متى سيظل رؤساء الأحزاب متمسكين بالكراسي وكأنها ملك شخصي؟
في المحصلة، فإن مؤتمر الجديدة ليس مجرد محطة تنظيمية عابرة، بل هو اختبار حقيقي لمدى قدرة الأحزاب المغربية على تجديد ذاتها، وعلى إنتاج قيادات جديدة وفق منطق المؤسسات لا منطق الأشخاص. وإذا نجح التجمع الوطني للأحرار في تحويل هذا الانتقال القيادي إلى دينامية سياسية وتنظيمية حقيقية، فإنه قد يساهم في إحياء النقاش حول إصلاح الحياة الحزبية وإعادة الثقة في العمل السياسي، في زمن يتزايد فيه العزوف السياسي وتتراجع فيه الثقة في الأحزاب والمؤسسات المنتخبة.


