بلا قيود

أسرة تطعم و تنسى أن تربي

في زمن ليس ببعيد، أقرب من أن ينسى، كانت الأسرة بالرغم من بساطتها، حضناً للأبناء، تقوم بدور الموجّه والمنظّم، الذي يصنع الطفل داخل سقف البيت، قبل أن يخرج للخارج، بوعي أم بدون وعي منها تصنع لنا الإنسان الذي يحترم الجار والمعلم، ويعلم ما له وما عليه. لكن اليوم ليست الأسرة، كما يُراد لنا أن نُصدّق، دائمًا مصنعًا للقيم، بل تحوّلت كثيرًا إلى نظامٍ لتأمين البقاء فقط. تُطعِم الجسد كي لا يسقط، لكنها تعجز—أو تتنازل—عن تربية العقل والضمير. في البيوت الحديثة، يُقاس النجاح بامتلاء الصحن والمائدة، لا بامتلاء المعنى، وبسلامة المظهر لا بسلامة الإنسان.

ننشأ محاطين بالأسقف والجدران، لكن بلا بوصلة أخلاقية واضحة. نلبس بوفرة أنواع اللباس، لكننا عراة من حيث القيم وروح المسؤولية. نكبر ونحن نعرف كيف نعيش، أما الغاية من عيشنا فلا دراية لنا عنها، حتى أصبح الاحترام والأخلاقيات مجرد بدع، بينما التسلط والاستغلال قصد إثبات الذات بنجاح معياري هو روح التدين! هنا يفرض السؤال نفسه بوقاحةٍ: هل ما تزال الأسرة تُربّي الإنسان، أم أنها اكتفت بدورٍ بيولوجيٍّ بارد، يضمن امتلاء الصحن دون أن يضمن امتلاء عقل الفرد وضمان ارتقاءه؟

لقد انتقلت الأسرة من مشروع تربية إلى منطق تدبير يومي؛ من بناء الإنسان إلى إدارة الصمت. صار الهدف غير المعلن هو إسكات الطفل لا الإصغاء إليه، وضمان الهدوء لا صناعة المعنى. في هذا الفراغ، برز الهاتف الذكي بوصفه «المربّي المثالي»: الطفل يسكت بالهاتف لا بالحوار، ويتعرّف إلى العالم من خلال شاشة تختزل القيم في صورٍ عابرة.

هكذا سُلِّمت التربية للهاتف دون مقاومة حقيقية. لم تعد القيم تُستمد من الأسرة، بل تُستورد من “التراند”. ما هو رائج يصبح صحيحًا، وما يحصد الإعجاب يتحوّل إلى معيار أخلاقي. لم نعد نُربّي أبناءنا على التفكير، بل على التلقّي، ولا على الاختيار، بل على الاستهلاك الرمزي للمعاني.

ومع غياب الحوار، حلت الطاعة محلّ القيم. لم نغرس المبادئ بقدر ما فرضنا السلوك، ووقع خلطٌ خطير بين الأدب وكتم الشخصية؛ فكل تعبير يُعد وقاحة، وكل اختلاف يُفسّر تمرّدًا. يُطلب من الطفل أن يكون مهذّبًا، لا أن يكون صادقًا مع ذاته. فيتعلّم الامتثال قبل الفهم، والخوف قبل المسؤولية.

يزداد الأمر تعقيدًا حين تغيب القدوة. فالقيم تُقال ولا تُمارَس، ويُطالَب بها الطفل بينما تُناقَض في سلوك الكبار. يتعلّم مبكرًا أن الأخلاق خطاب جميل لا التزامًا يوميًا، فيفقد المعنى مصداقيته، وتتحوّل التربية إلى كلامٍ بلا أثر.

وعندما تظهر نتائج هذا الخلل، تبحث الأسرة عن شماعة فشلها، فتُشير إلى المدرسة. تُحمَّل المؤسسة التعليمية مسؤولية ما لم تُمنَح شروط تحقيقه، بينما تتبرّأ المدرسة بدورها، ليجد الطفل نفسه ضائعًا بين مؤسستين تتقاذفان المسؤولية: أسرة لم تُربِّ، ومدرسة لم تُكمِل. فينشأ كائنًا “بين بين”، هشّ الهوية، مرتبك المعايير، يتقن التكيّف أكثر مما يتقن الفهم.

غير أن اختزال الأزمة في الأسرة وحدها يظل ظلمًا. فالأُسرة انعكاس لمجتمع مرهق، سريع الإيقاع، يطالبها بالكثير ويمنحها القليل. مجتمع يريد أبناءً ناجحين، دون أن يسأل نفسه عن نوع الإنسان الذي يصنعه، وعن القيم التي يضحّي بها في سبيل السرعة والنتائج الفورية.

لسنا أمام تقصير عابر، بل أمام اغتيالٍ بطيء للمعنى. نُطعم أبناءنا حتى الشبع، ثم نُسلّمهم عُزّلًا إلى عالمٍ لا يرحم، بلا قيم ولا بوصلة. نُسكت أسئلتهم بالهاتف، نكمّم شخصياتهم باسم الأدب، نطلب طاعتهم بدل تربيتهم، ثم نفزع حين لا يشبهون ما تمنّيناه.

الأسرة التي لا تُربّي لا تَقصُر فقط، بل تُشارك في إنتاج الفراغ. والمجتمع الذي يطبّع مع هذا الفراغ يوقّع على انحداره الأخلاقي. فإما أن نستعيد شجاعة التربية — بحوارها وتعبها وصدامها — وإما أن نواصل صناعة أجيالٍ تعرف كيف تعيش، لكنها لا تعرف لماذا تعيش.