بلا قيود

ماذا لو سجّل دياز ( أفيون الشعوب )؟

إن أجواء كرة القدم بوجه عام، وكأس إفريقيا على وجه خاص، تحمل من قابلية التأمل ما يكفي لاستخلاص فكرة مفادها أن كرة القدم أكثر من مجرد كرة مملوءة بالهواء، وأكبر من أن تُختزل في مستطيل من عشب أخضر.

يكفي أن نتأمل ركلة جزاء كان وراءها إبراهيم دياز في الدقائق الأخيرة؛ ركلة انتظرها الجميع أن تعانق الشباك، وانتظرها شعب بأكمله منذ سنوات لمعانقة اللقب. غير أنه، ولسوء الصدف، لم يُكتب لها أن تفعل. إحباطٌ ارتسم على وجه دياز، وسرعان ما تحوّل إلى جرح جماهيري تقاسمه الجميع.

انظر بعمق إلى المشهد كأنك عالم فراسة؛ تأمل ملامح الجماهير في الملعب، وردود الأفعال في المقهى، وسيظهر لك جليًا أن كرة القدم تتجاوز كونها لعبة.

ليست مجرد كرة تُقذف بين الأقدام، ولا مباراة تُحسم بالأهداف فقط، بل في عمقها، وبغضّ النظر عن كونها فرجة مسلية، يوجد إنتاج متدفق للمعنى. بين هتاف الجماهير تتجلى صراعات الهوية، ويصرخ الانتماء، وتقف على الخشبة «لذة الانتصار» بشجاعة معبّرة عن نفسها، وعند الإحباط تُمنّي الجماهير نفسها بالأمل، بل تقاوم انكسارات الحياة بأجواء المستديرة.

فخروج الحشود والضوضاء بالشوارع المغربية بعد كل فوز، فرحًا واحتفالًا رغم كل ظروف القهر الأخرى، لهو دليل على كون الإنسان كائنًا متكيفًا، وليد اللحظة. وهنا أقصدها على وجه المدح لا التحقير؛ نحن كائنات تلتقط بذرة أمل صغيرة ولحظية، وسط خراب يتّسع لمجرة، لتصنع منها جنة سعادتها، جنة لم تُخلق إلا بفعل أجواء المستديرة.

فكيف تحوّلت كرة مليئة بالهواء من لعبة إلى جهاز رمزي لصناعة المعنى؟

منذ القدم، وبقدر حاجة الإنسان إلى ضرورات مادية، أدرك حاجته إلى ضرورات نفسية يُصلح بها هشاشته؛ حيث يسعى إلى خلق أنظمة رمزية تمنحه الإحساس بالانتماء والاستمرارية. وقد تفنن الجنس البشري في خلق العديد منها على مرّ تاريخ وجوده، وتُعد كرة القدم مثالًا واضحًا عن ذلك. فهي تمنحنا سببًا مؤقتًا للعيش خلال ساعة ونصف، ناهيك عن امتداد الشعور بين لحظات الانتظار وما بعد النهاية، وهو سبب ليس بالأمر الهيّن.

فـ«من يملك لماذا يعيش – كما عبّر فيلسوفنا نيتشه – يتحمّل أي كيف». وكرة القدم، في زمن الارتباك الوجودي، تمنح هذا «اللماذا» المؤقت؛ سببًا للفرح، للحزن، للانتماء، وللتحمّل والاستمرار.

لكن ماذا لو سجّل دياز مثلًا؟

حينما يُسجَّل هدف، لا يفرح فرد واحد، بل تتحرك مشاعر جماعة كاملة بإيقاع واحد؛ فرح موحّد يجمع الحاكم والمواطن، الطبيب والأستاذ، الطالب والفلاح. فرح تُهدم فيه جدران الفوارق الطبقية والاجتماعية، ويذوب فيه الاختلاف داخل هوية مشتركة، فنصنع تضامنًا اجتماعيًا دون وعي منا بذلك.

هذا الإحساس الجماعي ليس وليد الصدفة، بل يجد تفسيره في علم الاجتماع. فقد بيّن إميل دوركايم أن الطقوس الجماعية تشكّل آليات لإنتاج التضامن الاجتماعي؛ فالمباراة، في هذا السياق، طقس جماعي يُمارَس في معابد مؤقتة هي المدرجات، والجمهور جماعة مؤمنة خالصة للحظة. وفي زمن الفردانية وتآكل الروابط الاجتماعية، تعيد كرة القدم إنتاج مفهوم «النحن»، ولو بشكل عابر.

غير أن السؤال الجوهري يظل مطروحًا: في مجتمعات تحتضر وتعاني من أزمات تضرب أساسيات العيش الكريم، هل تصنع كرة القدم معنى حقيقيًا للإنسان، أم أنها تملأ فراغه فقط؟

إن خطورة هذا الطقس الجماعي لا تكمن في وجوده، بل في الكيفية التي يُستثمر بها. فحين تفشل السياسة في تحقيق العدالة وتوفير شروط العيش الكريم، تتحول كرة القدم إلى تعويض رمزي؛ يصبح فيه فوز المنتخب إنجازًا وطنيًا يغطي على إخفاقات أعمق. هنا تتحول اللعبة من فضاء للانتماء والتعبير إلى أداة لتسكين الألم بدل معالجته.

في هذا السياق، لا يمكن تجاهل دور السلطة في إدارة هذا الشغف. فكما يوضح ميشيل فوكو، «السلطة لا تشتغل بالقمع فقط، بل بتنظيم المتعة». حين تُستثمر كرة القدم إعلاميًا وسياسيًا، قد تتحول من لعبة جميلة إلى أداة لإعادة توجيه الوعي، وإلهاء الجماهير عن الأسئلة الأكثر إلحاحًا.

فنجد أنفسنا نحزن على ضياع كأس أكثر مما نحزن على ضياع مدرسة، ونفرح بانتصار رياضي أكثر مما نفرح بإصلاح اجتماعي. ليست المشكلة في الفرح أو الحزن في حد ذاتهما، بل في ما يكشفانه من خلل في ترتيب أولوياتنا.

وهنا نعود إلى السؤال المركزي: هل تمنحنا كرة القدم معنى نحتاجه للاستمرار، أم أنها تؤجل وعينا بغياب هذا المعنى؟

ختامًا، سواء سجّل دياز أم لم يسجّل، تبقى كرة القدم حبًا يتجاوز الفوز وكونها مجرد لعبة. إنها تمنحنا لحظات صدق جماعي، وحكايات تحفر في الذاكرة، وتسقي الروح بالمعنى. لكنه حبّ مشروط، يتطلب قدرًا من الوعي والحذر في آن واحد، لأنه قد يتحول إلى سمّ ناعم، يُخدّرنا ويشل قدرتنا على طرح الأسئلة الحقيقية التي نعلّق عليها كرامة عيشنا.