ضربة معلم

حين يعلن عزيز أخنوش، رئيس الحكومة ورئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، عدم تجديده لولاية ثالثة على رأس الحزب، ويُتبع ذلك بإعلان عدم رغبته في الترشح للانتخابات التشريعية المقبلة، فإن الأمر يتجاوز مجرد قرار تنظيمي أو حساب انتخابي عابر. نحن أمام لحظة سياسية محمّلة بالدلالات، تحمل في طياتها رسالة واضحة إلى الحقل الحزبي برمته: السياسة ليست قدراً أبدياً، والكرسي ليس ملكاً خاصاً.
في سياق حزبي وطني اعتاد، في كثير من تجاربه، على تمديد الولايات وتدوير الوجوه ذاتها، بل وعلى تحويل الزعامة إلى وضع شبه دائم، يأتي قرار أخنوش ليكسر عرفاً مترسخاً لدى عدد من الأمناء العامين الذين ألفوا البقاء الطويل في مواقع القيادة، ولو على حساب التداول والدينامية الداخلية. هنا بالضبط تكمن “ضربة المعلم”: خطوة محسوبة، هادئة، لكنها قوية الأثر.
اختيار عدم الترشح لولاية ثالثة لا يمكن قراءته كعلامة انسحاب أو تراجع، بل كفعل سياسي واعٍ يضع حداً فاصلاً بين القيادة والتملك، وبين المسؤولية والامتياز. هو إعلان عملي بأن الأحزاب ليست رهينة لأشخاص، مهما كانت قوتهم أو نفوذهم، وأن تجديد النخب لا يتحقق بالشعارات بل بالقرارات الشجاعة.
أما الإعلان عن عدم الترشح للانتخابات التشريعية المقبلة، فيحمل بدوره بعداً آخر لا يقل أهمية. فهو يحرر العمل الحكومي والحزبي من الالتباس التقليدي بين تدبير السلطة والاستعداد الدائم للاستحقاقات، ويعيد الاعتبار لفكرة أن المسؤولية العمومية مرحلة زمنية محددة، وليست مساراً مفتوحاً بلا سقف.
بهذا القرار المزدوج، يقدّم أخنوش درساً سياسياً نادراً في السياق المغربي: درس في احترام المؤسسات، وفي الإيمان بالتداول، وفي القدرة على مغادرة الواجهة من موقع قوة لا من موقع إكراه. وهي رسالة موجّهة، قبل أن تكون إلى الخصوم، إلى الداخل الحزبي وإلى الأجيال السياسية الصاعدة.
قد يختلف كثيرون مع اختيارات أخنوش الحكومية أو الحزبية، لكنهم يصعب عليهم تجاهل رمزية هذه الخطوة. إنها “ضربة معلم” لأنها تعيد النقاش إلى جوهره: كيف نبني حياة حزبية صحية، وكيف نقطع مع منطق الزعامة الأبدية، وكيف نُقنع المواطنين بأن السياسة يمكن أن تكون ممارسة أخلاقية، لا مجرد سباق دائم نحو الكرسي.

