لماذا يهجر شباب المغرب السياسة المؤسساتية؟

في المغرب، تتسع الهوة يوما بعد يوم بين الشباب والمؤسسات السياسية. ليست المسألة مجرد عزوف انتخابي عابر، بل عن أزمة ثقة عميقة بين جيل يعيش على إيقاع التحول، ومؤسسات ما تزال رهينة عقلية الماضي.
تتراكم الأسئلة دون أن تجد جوابًا:
كيف يمكن لشباب ولد في عالم مفتوح ورقمي أن يندمج في تنظيمات تدار بمنطق المقاعد؟
وكيف لخطاب سياسي باهت أن يقنع جيلا يتنفس السياسة كل يوم عبر شاشات هاتفه؟
عزوف من الداخل… لا من السياسة
ما يجري ليس نفورا من السياسة في حد ذاتها، بل من شكلها التقليدي داخل المؤسسات، فالشباب حاضر في النقاش العمومي، الحملات الرقمية، المبادرات الاجتماعية والميدانية. لكنه لا يرى جدوى في العمل من داخل الهياكل الحزبية أو النقابية أو حتى المنتخبة. تجارب كثيرة انتهت بخيبة: طاقات شبابية تقصى لأنها لا تنتمي لـ”العائلة السياسية”، أو لأنها تجرؤ على اقتراح أفكار خارج النسق المعتاد.
النتيجة أن كثيرا من الكفاءات الشابة انسحبت بهدوء، انسحاب لم يولده الجهل بالسياسة، بل الإحباط من منطق مغلق يعيد إنتاج نفسه، بالأسماء نفسها والخطاب نفسه، وكأن الزمن متوقف.
عقلية الكرسي… تقتل الفكرة
الهوة بين الأجيال ليست في السن، بل في طريقة التفكير.
الشباب يبحث عن سياسات واقعية تُبنى على بيانات، شفافية، وأهداف قابلة للقياس،بينما تتحرك أغلب الأحزاب بمنطق “الكرسي أولًا”، حيث يُنظر لأي فكرة جديدة كتهديد محتمل لتوازنات داخلية هشة.
الأحزاب تخشى من التجديد لأنه يعني إعادة توزيع النفوذ داخليًا، وهو ما لا تريده النخب القديمة، حتى لو كان الثمن هو فقدان الأجيال الصاعدة.
الفضاء الرقمي… حزب الشباب الجديد
حين ضاقت المؤسسات، انفتح الفضاء الرقمي على مصراعيه،هنا وجد الشباب مجالا يقول فيه كل ما عجز عن قوله داخل التنظيمات:
عريضة إلكترونية تتحول إلى نقاش وطني،
هاشتاغ يحرّك الرأي العام،
فيديو قصير يفضح عبث السياسات المحلية.
لقد أصبح الإنترنت حزبا افتراضيا بلا مكاتب ولا لجان، لكنه أكثر حيوية وتأثيرا.
غير أن هذا النضال الرقمي، رغم زخمه، يبقى بلا امتداد مؤسساتي يحول الوعي إلى قرار، والصوت إلى سلطة.
وهنا تتجلى المعضلة: وعي سياسي مرتفع، يقابله غياب إطار فعال للاشتغال من الداخل.
تواصل غائب… وإصغاء شكلي
رغم تعدد المبادرات الرسمية التي ترفع شعار “إشراك الشباب”،يبقى التواصل بين الحكومة وهذه الفئة سطحيا ومناسباتيا. غالبا ما يتحول الحوار إلى طقس شكلي، يطلب فيه من الشباب الإدلاء برأيه دون أن يُؤخذ فعليًا بعين الاعتبار الهوة لاتكمن في غياب الوسائل، بل في غياب الإرادة الحقيقية للإصغاء.
التقارير الرسمية تكشف عمق الفجوة بين الشباب والمؤسسات:
حسب المندوبية السامية للتخطيط، من بين 5,9 ملايين شاب (15–24 سنة)، هناك 25,2% (أي 1,5 مليون) لا يدرسون ولا يشتغلون ولا يتلقون أي تكوين.
نسبة البطالة في صفوف الشباب بلغت 22,9% سنة 2022،في حين أن فقط 24,7% يشتغلون في وظائف مهيكلة.
أما من حيث الانخراط السياسي، فالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أكد في تقريره لسنة 2023 أن أقل من 1% من الشباب منخرطون في الأحزاب،وأن أكثر من 90% لا يثقون في الفاعلين السياسيين.
هذه الأرقام تترجم انفصالا مؤسساتيا حادا، لا يعكس ضعف الوعي السياسي بقدر ما يعكس ضعف قنوات الاندماج والثقة.
جيل بأكمله يشعر أن السياسة لم تواكب تحولات المجتمع، ولا لغته، ولا طموحاته.
الخطب الملكية: جيل جديد من الفعل العمومي
الملك محمد السادس، في خطاب عيد العرش 2025، دعا إلى جيل جديد من برامج التنمية الترابية، يربط بين التشغيل والخدمات الاجتماعية، ويستجيب لتطلعات الشباب
كما شدّد على العدالة المجالية وضرورة تمكين الشباب من الإسهام في مشاريع التنمية الجهوية،مؤكدًا أن التنمية لا يمكن أن تتحقق دون إشراك جيل جديد من الفاعلين الذين يؤمنون بالكفاءة والفعالية.
وفي خطاب افتتاح البرلمان، دعا إلى تعزيز المبادرات المحلية الموجهة للشباب وتحسين العدالة الاجتماعية، في إشارة واضحة إلى أن الرهان المستقبلي للدولة هو على تجديد النخب لا على إعادة تدويرها.
إما أن تتجدد السياسة… أو تفقد آخر حلفائها
الأسئلة التي يطرحها الشباب المغربي اليوم ليست تمردا على الدولة، بل مطالبة بتجديد أدوات السياسة ومفاهيمها. الاستمرار في تهميشهم سيقود إلى مزيد من العزوف و الاحتجاج خارج الإطار المؤسساتي.
إذا لم تتجدد الأحزاب من الداخل، وتنفتح على كفاءات جديدة تؤمن بالفعل لا بالشعارات، فإن السياسة في المغرب ستستيقظ يوما لتجد أن آخر حلفائها قد غادروا بهدوء.


