افتتاحية

قال محمد زواكي، وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية الزجرية بعين السبع، في حوار مع جريدة “البيضاوي”، إن “العقوبة الحبسية القصيرة غالبا لا تؤدي المطلوب منها، أي التأديب والإدماج وإعادة الإدماج في المجتمع، وتبقى عقوبة بلا مفعول.

وأضاف أن “المشرع المغربي اهتدى إلى العقوبات البديلة على غرار مجموعة من الدول المتقدمة، معتبرا أن هذا الإجراء الجديد يشكل فتحاً لأفق أوسع في سبيل الإدماج وإصلاح منظومة العدالة”.

هذه الكلمات، الصادرة عن وكيل ملك بمحكمة من أكبر المحاكم الابتدائية في المغرب وأكثرها كثافة من حيث الملفات المعروضة عليها، ليست مجرد تصريح عابر، بل تعبير واضح عن تحول عميق في فلسفة العقاب بالمغرب. فالعدالة الجنائية الوطنية تدخل مرحلة جديدة، حيث لم يعد السجن القصير وحده يعتبر حلاً، بقدر ما أصبح البحث عن بدائل أكثر عدلاً وإنصافاً هو الخيار الاستراتيجي الذي يسير فيه المشرع والدولة.

لقد أثبتت التجارب، ليس في المغرب وحده وإنما في العديد من الدول، أن العقوبات السجنية القصيرة تفشل في الغالب في تحقيق أهدافها. فهي لا تردع بقدر ما تزيد من احتمالية العودة إلى الانحراف، ولا تؤدب بقدر ما تزرع الوصم الاجتماعي، ولا تعيد الإدماج بقدر ما تعمق القطيعة بين الجاني والمجتمع. ولعل أخطر ما في العقوبة السجنية القصيرة أنها قد تحول الجاني البسيط إلى منقطع عن العمل والأسرة، مما يدفعه إلى طريق مظلم يصعب الخروج منه. من هنا تبدو أهمية العقوبات البديلة كفلسفة جديدة تسعى إلى إعادة تعريف معنى العقوبة، ليس بوصفها انتقاماً من المجتمع، بل باعتبارها وسيلة للإصلاح والتربية وإعادة الإدماج.

العقوبات البديلة، مثل العمل لأجل المنفعة العامة، أو الغرامات المالية المتناسبة، أو تقييد بعض الأنشطة والسلوكيات، تقدم بديلاً أكثر مرونة وإنصافاً. فهي تعاقب المخالف لكنها تترك له الباب مفتوحاً ليبقى جزءاً من مجتمعه، فلا ينقطع عن أسرته ولا يفقد عمله ولا يعزل اجتماعياً. وبذلك تتحقق الغاية المزدوجة للعقوبة: الإصلاح والردع في الوقت نفسه.

هذه الخطوة الجريئة تُحسب للحكومة الحالية التي التقطت جوهر النقاش المجتمعي والحقوقي، وجعلت من العقوبات البديلة ورشاً حقيقياً للإصلاح. فهي لم تتخذ هذا القرار بدافع التخفيف من الاكتظاظ السجني فحسب، بل من قناعة راسخة بأن العدالة يجب أن تتطور لتساير روح العصر والدستور المغربي الذي أكد بوضوح على مركزية حقوق الإنسان. اعتماد هذا الورش يؤكد أن المغرب لم يعد يعتبر السجن هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق الردع، بل صار يراهن على مقاربة أكثر إنسانية تراعي كرامة المواطن وتفتح أمامه فرصة ثانية.

إن ما يميز هذه الخطوة أنها تنسجم تماماً مع المسار التنموي الشامل الذي يعرفه المغرب في السنوات الأخيرة. فالمملكة تسير بسرعة واحدة: توسع في البنيات التحتية الكبرى من طرق سيارة وموانئ ومطارات، وتطوير في المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية، وإصلاح موازٍ في القضاء نحو عدالة أكثر وعياً ونجاعة. وكما أن مشاريع التنمية المادية تروم تحسين ظروف الحياة، فإن إصلاح العدالة يهدف إلى صيانة كرامة الإنسان وحمايته حتى حين يخطئ. إنها صورة مغرب جديد يراهن على الإنسان والحجر معاً، على الاقتصاد وعلى العدالة في الوقت نفسه.

الوفاء لحق الإدماج يظل هو القيمة الأسمى في العقوبات البديلة. فالمجتمع لا يحتاج إلى إقصاء المخالفين بقدر ما يحتاج إلى استرجاعهم وإدماجهم في دورة الحياة الطبيعية. العقوبة حين تتحول إلى خدمة للمصلحة العامة، أو إلى إصلاح مباشر يلمسه المواطنون، فإنها تزرع الإحساس بعدالة متوازنة. الجاني يؤدي ثمن خطئه لكن في إطار يحفظ كرامته، والمجتمع يرى في العقوبة رسالة ردع لكن أيضاً رسالة إصلاح. وهنا يتجلى ذكاء التشريع الذي يوازن بين احترام القانون وعدم سحق الفرد.

طبعاً، هذا الورش لن ينجح من دون مجهود مؤسساتي منسق. فالمحاكم مطالبة بآليات دقيقة لمتابعة تنفيذ العقوبات، والجماعات الترابية مدعوة لتوفير فضاءات وفرص لاستقبال المستفيدين من هذا النمط من العقوبات، والمجتمع المدني مطالب بدوره بمرافقة وتأطير. التحديات قائمة ولا شك، لكن حجم المكاسب يجعل التجربة تستحق الرهان. وإذا نجح المغرب في تنفيذ العقوبات البديلة بشفافية وصرامة، فإنه سيسجل خطوة عملاقة في مسار بناء عدالة حديثة على مستوى المنطقة.

ولأن العقوبات البديلة خيار عالمي، فقد سبقتنا إليه دول عديدة في أوروبا وأمريكا الشمالية، إلا أن خصوصية المغرب تكمن في ملاءمة هذا الورش مع سياقه الاجتماعي والثقافي. هذه ليست عملية نسخ لتجربة خارجية، بل فرصة لبناء نموذج مغربي أصيل يستفيد من تجارب الآخرين دون أن يتخلى عن خصوصياته. وحين تتكامل التجربة المغربية مع الإصلاحات الأخرى التي يعرفها البلد، فإن العدالة الوطنية ستصبح أكثر إنصافاً وفعالية، وأقدر على استعادة ثقة المواطن.

إن العقوبات البديلة ليست مجرد تقنية قانونية جديدة، بل هي ثورة هادئة في الفلسفة الجنائية المغربية. فهي تنقلنا من منطق العقوبة المغلقة إلى منطق الإصلاح المفتوح، من عقوبة تنهي المستقبل إلى عقوبة تمنح بداية جديدة، من عدالة تقتصر على الزجر إلى عدالة تنفتح على الإدماج. وهي في الآن ذاته مؤشر على وعي الدولة بضرورة جعل الإنسان في قلب التنمية، وعلى انسجام مشروعها التنموي بين ما هو مادي وما هو مؤسساتي.

إننا اليوم أمام ورش يحسب للحكومة، وللمؤسسة القضائية على حد سواء. وهو ورش يجعل المغرب يسير بسرعة واحدة، بسرعة تجمع بين توسع البنية التحتية وتحديث القضاء، بين بناء الجسور والطرقات وبناء جسور الثقة بين المواطن والدولة. إنها خطوة تؤكد أن للمغرب القدرة على أن يوازن بين الصرامة القانونية والرحمة الإنسانية، بين الردع الصارم والإدماج الواسع. وفي ذلك أكبر دليل على أن العدالة في المملكة دخلت فعلاً مرحلة جديدة أكثر إنسانية وأعمق تأثيراً.