رئيس الدولة ورئيس الحكومة

في النظام السياسي المغربي، تظل رمزية الملك على رأس الدولة إحدى الركائز الأساسية التي تحدد طبيعة الحكم وتوازن السلطات. فالملك هو رأس الدولة ورمز وحدتها، ومصدر السلطات كلها.
هذه الرمزية ليست شعاراً فقط، بل هي إطار دستوري يمنح الملك مكانة خاصة بصفته رئيسا للدولة، ويميز دوره عن باقي الفاعلين السياسيين.
الملك يتربع على قمة هرم السلطة، وهو الضامن الأساسي لاستمرارية الدولة وسلامة مؤسساتها، وله اختصاصات دستورية واسعة تشمل تعيين رئيس الحكومة، ورئاسة مجلس الوزراء، والمصادقة على القوانين، والإشراف على السياسة العامة للدولة.
هذا الدور المركزي للملك يجعل من رأس الدولة رمزاً ليس فقط للسيادة الوطنية، بل للثبات السياسي والاستقرار الدستوري. فالملك هو الذي يحدد الخطوط الكبرى للسياسة الوطنية، ويتولى إطلاق المبادرات الكبرى التي تعكس رؤيته الاستراتيجية في مختلف المجالات.
ومن هذا المنطلق، فإن مكانة الملك كرئيس للدولة لا تقتصر على التمثيل الرسمي، بل تمتد إلى صلاحيات حقيقية تعطيه هامشاً واسعاً من التدخل في الشؤون السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
أما رئيس الحكومة، فيقع موقعه ضمن إطار دستوري محدد وواضح. فوفقاً للدستور، رئيس الحكومة هو المسؤول الأول عن تسيير الشؤون الحكومية، وهو الذي يشكل الحكومة وينفذ السياسات العمومية، لكنه يخضع لسلطة الملك في عدة جوانب، من بينها التوجيه السياسي العام والرقابة الدستورية. اختصاصات رئيس الحكومة مرتبطة أساساً بالتدبير اليومي للمرافق العمومية وتنفيذ البرامج والسياسات التي تحددها السلطة العليا في الدولة، ممثلة في الملك. فحدود صلاحيات رئيس الحكومة تأتي ضمن الإطار الذي يرسمه الملك، ولا تتعداه.
هذه العلاقة بين الملك كرئيس للدولة ورئيس الحكومة تتسم بالتكامل والتوازن. إذ لا يمكن أن نفصل بين الرؤية الاستراتيجية العليا التي يقودها الملك، وبين التنفيذ العملي الذي تقوم به الحكومة برئاسة رئيسها. وبذلك، تكون آليات الحكم في المغرب منظومة متكاملة، يضمن فيها كل طرف دوره ضمن مسارات واضحة تحفظ تماسك الدولة واستقرارها.
ومن بين أبرز معالم هذا التنسيق بين الملك ورئيس الحكومة، نجد الأوراش الملكية الكبرى التي أطلقها الملك محمد السادس، والتي تمثل خارطة طريق تنموية شاملة تشمل قطاعات متعددة مثل التعليم، الصحة، البنية التحتية، التغطية الاجتماعية، ومحاربة الفقر والبطالة. هذه المشاريع الملكية تعد تجسيداً للالتزام بالنهج التنموي الجديد الذي يهدف إلى تحسين ظروف عيش المواطنين وتعزيز مكانة المغرب إقليمياً ودولياً.
رئيس الحكومة عزيز أخنوش، الذي استلم المسؤولية في ظرف سياسي واجتماعي حساس، نجح في تنزيل هذه الأوراش الملكية بأشكال عملية، ملموسة، وبوتيرة متسارعة. الحكومة الحالية تحت قيادته أظهرت قدرة على التفاعل مع الرؤية الملكية، وترجمتها إلى مشاريع وبرامج متكاملة تنسجم مع تطلعات الشعب المغربي. يمكن الإشارة إلى الإنجازات المتعددة التي حققتها الحكومة في قطاعات حيوية، مثل تطوير البنية التحتية، ودعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة، والتوسع في التغطية الاجتماعية، وإصلاح منظومة التعليم والصحة، وهو ما يعكس نجاحاً كبيراً في تفعيل التوجيهات الملكية.
هذه النتائج التي تحققها الحكومة لا يجب أن تُنسَب بشكل منفرد إلى شخص رئيس الحكومة، ولا إلى الأحزاب السياسية التي تشكلها فقط، بل هي ثمرة لتضافر جهود بين مؤسسة الملك، التي تحدد الأهداف الكبرى، والحكومة التي تنفذها. وكما يقول المثل، “ما للملك للملك وما لأخنوش لأخنوش”، أي أن هناك وضوحاً في توزيع الأدوار والمسؤوليات، فلا يخلط أحد بين ما هو من صلب المؤسسة الملكية وما هو من اختصاص الحكومة.
في الخلاصة، فإن هذه الحكومة، بغض النظر عن وجهات النظر السياسية، سواء من اتفق معها أو اختلف، قد أثبتت نفسها كفاعل أساسي في تنزيل الأوراش الملكية الكبرى. إن الاستقرار السياسي الذي توفره هذه المنظومة الدستورية، مع بروز الملك كرئيس للدولة ورمز للوحدة، هو ما يسمح بتجاوز الكثير من التحديات التنموية، ويضمن استمرارية المشاريع التنموية الاستراتيجية التي تسعى إلى تحسين حياة المواطن المغربي.
وبذلك، فإن النظام السياسي المغربي يبرز كنموذج متوازن يجمع بين رمزية الملك وصلاحياته الكبرى من جهة، وفعالية الحكومة في التدبير التنفيذي من جهة أخرى، في إطار وحدة وطنية متماسكة، تبني المستقبل على قاعدة احترام الأدوار وتكامل السلطات. وهذا ما يجعل من المملكة المغربية قادرة على مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل بثقة ونجاعة.


