بلا قيود

السياسة في زمن المكاشفة

لم تعد السياسة اليوم فنّ الممكن كما صاغها الكلاسيكيون، ولا مجالاً لإدارة التوازنات الدقيقة بين المصالح المتعارضة، بل أضحت – في كثير من السياقات – فضاءً مكشوفًا تُعرَّى فيه الخطابات، وتُفضَح فيه التناقضات، وتنهار فيه المسافات الرمزية التي كانت تفصل بين ما يُقال وما يُمارَ، إننا نعيش، بكل ما تحمله العبارة من دلالة، في زمن المكاشفة السياسية؛ زمن لم يعد فيه بالإمكان إخفاء العيوب خلف بلاغة ملساء أو شعارات مُنمَّقة.

لقد ساهم التحول الرقمي، بشكل حاسم، في نقل السياسة من دوائرها المغلقة إلى فضاء عمومي مفتوح، حيث أصبح المواطن فاعلاً في إنتاج المعنى السياسي، لا مجرد متلقٍ سلبي. فبفضل وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد الخطاب الرسمي يحتكر الحقيقة، ولم تعد الرواية السياسية أحادية الاتجاه، بل صارت عرضة للتفكيك الفوري، والنقد الجماعي، بل وحتى السخرية التي قد تكون أحيانًا أشد وقعًا من أي معارضة تقليدية. وهنا، لم تعد السلطة قادرة على إدارة الصمت كما في السابق، لأن الصمت ذاته أصبح خطابًا يُقرأ ويُؤوَّل.

في هذا السياق، تتعرض النخب السياسية لاختبار غير مسبوق. لم يعد يكفي أن تتقن فن الخطابة أو تُحسن تدبير الصورة، بل باتت مطالبة بالانسجام بين القول والفعل، بين الوعود والسياسات العمومية، بين الخطاب الانتخابي والممارسة اليومية. فزمن المكاشفة لا يرحم التناقضات، ولا يغفر الفجوة بين الخطاب والواقع، ومن هنا، تتآكل الثقة، ويتنامى الشعور العام بأن السياسة فقدت جزءًا من صدقيتها، إن لم نقل مشروعيتها الرمزية.

غير أن المفارقة الكبرى تكمن في أن هذا الانكشاف، بدل أن يُعيد الاعتبار للفعل السياسي، قد يُفضي إلى نتيجتين متناقضتين: إما تعميق الوعي النقدي لدى المواطنين، بما يسمح بإعادة بناء علاقة صحية مع السياسة قائمة على المساءلة والمحاسبة، أو تكريس نوع من العدمية السياسية، حيث يصبح كل شيء محل شك، وكل خطاب موضع اتهام، وكل فاعل سياسي فاقدًا للمصداقية. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: أن تتحول المكاشفة من أداة للتحرر إلى مدخل للانسحاب الجماعي من الشأن العام.

إن ما يعيشه المغرب، كغيره من المجتمعات، لا ينفصل عن هذه الدينامية العالمية، لكنه يحمل خصوصياته المرتبطة ببنية الدولة، وتاريخ العلاقة بين السلطة والمجتمع، وطبيعة الوسائط السياسية. فالسؤال اليوم لم يعد: هل هناك مكاشفة؟ بل: كيف تُدار هذه المكاشفة؟ وهل تمتلك المؤسسات القدرة على تحويل هذا الانكشاف إلى فرصة لإعادة بناء الثقة، أم أنها ستكتفي بردود فعل ظرفية تُعمّق الفجوة بدل ردمها؟

إن السياسة في زمن المكاشفة تفرض إعادة تعريف جوهر الفعل العمومي. لم يعد الأمر يتعلق فقط باتخاذ القرار، بل بكيفية تبريره، وبمدى القدرة على إشراك المواطن في فهمه وتقييمه. فالدولة التي لا تشرح قراراتها، تترك المجال مفتوحًا للتأويلات، وبعضها قد يكون أكثر خطورة من القرار نفسه. والمجتمع الذي لا يُؤطَّر وعيه السياسي، يصبح عرضة للانزلاق نحو الشعبوية أو اللامبالاة.

وفي هذا الإطار، تبرز الحاجة إلى نخبة جديدة، لا تُجيد فقط إدارة السلطة، بل تُتقن أيضًا فن التواصل الصادق، وتؤمن بأن الشفافية ليست ضعفًا، بل شرطًا من شروط الاستمرارية. كما تبرز ضرورة إعادة الاعتبار للوسائط التقليدية – الأحزاب، النقابات، المجتمع المدني – باعتبارها قنوات لتأطير النقاش العمومي، بدل تركه رهينًا لمنطق الانفعال اللحظي الذي تُغذيه المنصات الرقمية.

إن المكاشفة، في جوهرها، ليست أزمة، بل فرصة تاريخية لإعادة بناء السياسة على أسس أكثر وضوحًا وصدقًا. لكنها تظل فرصة مشروطة بمدى استعداد الفاعلين السياسيين للاعتراف بأخطائهم، وبمدى قدرة المجتمع على تحويل النقد إلى قوة اقتراح، لا مجرد تعبير عن الغضب.

في النهاية، قد يكون السؤال الأكثر إلحاحًا هو: هل نحن أمام نهاية السياسة كما عرفناها، أم أمام ميلاد شكل جديد منها، أكثر شفافية، وأكثر ارتباطًا بالمواطن؟ الجواب، في الحقيقة، لا يتوقف فقط على ما تفعله الدولة، بل أيضًا على ما يقرره المجتمع: هل يختار الانسحاب، أم يقرر أن يكون شريكًا فعليًا في إعادة صياغة قواعد اللعبة السياسية؟