بلا قيود

سائق سيارة الأجرة..عالم بلا كتب!

في سيارة الأجرة، قد تختار وجهتك، لكنك لا تختار النقاش الذي يفرض عليك. لا تحتاج إلى وقت طويل حتى تجد نفسك داخل نقاش يشمل مجمل مواضيع الحياة. فالسائق يتحدث بثقة عن السياسة، يفسّر الاقتصاد، ويقدّم آراء في قضايا علمية، بينما يشاركه بعض الركاب الموضوع بين نفي و تأكيد بطريقة تلقائية، وكأن كل تلك المواضيع هي مجرد أمور بديهية. المتحدث لا يتردد، و لا يراجع كلامه، و لا مساحة يتركها للشك. فقط جوّ مليء بيقين كامل، كأن السائق فيلسوف بلا كتب، و الحقيقة في متناول الجميع، لا تحتاج بدورها إلى بحث و لا إلى تفكير.

هذا المشهد، لا يخفى على كل شخص منا، إذ يعتبر بمثابة تجربة اجتماعية مشتركة، الجميع قد عاشه في وقت ما. و بالرغم من بساطته، إلا أنه يستحق أن نلتفت إليه، خاصة حينما يتوقف عن كونه محصورًا داخل سيارة الأجرة، بل يصبح مجرد نموذج مصغّر لطريقة أوسع في التفكير. طريقة تنتقل إلى الخارج في جميع الأماكن، إذ ما نسمعه هناك، نسمعه في المقاهي، في مواقع التواصل، و في النقاشات اليومية. نفس الصراخ كبديل عن الحجة، و نفس الثقة كبديل عن مساحة الشك، و البحث يُستبدل بأحكام جاهزة. الفرق فقط أن سيارة الأجرة صريحة في عفويتها، بينما الفضاءات الأخرى تعطي نفس الخطاب مظهرًا أكثر جدية.

إن المشكلة ليست في النقاش و إبداء الرأي، بل بالكيفية التي يُدار بها ذلك الحديث. تلك الثقة التي لا تقف وراءها معرفة صريحة، ثقة تُقدَّم كوجه آخر للمعرفة نفسها. يمكن لأي شخص أن يتحدث في أي موضوع، دون حاجة إلى تحقق أو تعمق، فقط لأنه يشعر أن الأمور واضحة. الجميع عالم و طبيب و محلل سياسي في الآن نفسه. أما الجهل و نقص المعرفة، فلا يصبح له معنى، ما دام اليقين الزائف يعطي فرصة لمن لا فرصة له للخطاب و التوجيه، و يمنح صاحبه تفوقًا مصطنعًا و راحة وهمية.

مع الوقت، زال الفرق بين من يبحث و يدرس، و من يكتفي بالانطباع. بل أكثر من ذلك، أصبح التفسير و التعقيد نفسه موضع شك، حيث كل ما يحتاج إلى شرح منطقي أو علمي… هو بالضرورة مبالغ فيه. في المقابل، تنتصر التفسيرات السريعة، و الساذجة لأنها بسيطة الفهم، و سهلة التداول، حتى و إن كانت بعيدة عن الدقة.

لقد تخلينا عن عبارة «هل هذا صحيح؟» و استبدلناها بكل أسف بعبارة «هل هذا يبدو مؤثرًا و بالتالي مقنعًا؟». حيث انتقلنا من النقاش و التحليل المنطقي إلى الصراخ و محاولة فرض الرأي. وسط هذا الجو، تتساوى الآراء ظاهريًا، مهما اختلفت قيمتها، و يصبح الخطأ و صبيانية الخطاب، مجرد تصرف عادي لا يثير أي حرج.

قد يبدو هذا الوضع مألوفًا، لكنه يحمل خطرًا حقيقيًا. فحين يغيب الوعي بحدود المعرفة، يفقد الإنسان قدرته على التعلم. لأن أول خطوة في الفهم، ليست أن تعرف، بل أن تدرك أنك لا تعرف. دون هذه الخطوة، يتحول النقاش إلى تكرار، و مواجهة بين يقينين لا يلتقيان و يدوران في حلقة مفرغة دون جدوى.

من هنا، تظهر قوة المعنى في طرح سقراط. حين قال إنه لا يعرف، لم يكن يعلن نقصًا، بل كان يفتح بابًا للفهم. فالعقل الذي يظن أنه يمتلك الحقيقة، يتوقف عن السؤال. أما الذي يدرك حدوده، فيبقى قادرًا على التقدم. هنا بالضبط يتحدد الفرق بين حديث يفرض نفسه، و آخر يحاول أن يفهم.

ختاماً، ليست المشكلة أن الناس لا تعرف، بل أنها ترفض أن تعترف بذلك. حيث الجهل لا ننظر له كفراغ وجب أن يُملأ، بل موقفًا يُدافع عنه. وكأن كل واحد صار مطالبًا بأن يكون خبيرًا في كل شيء، حتى لو كان لا يملك من المعرفة سوى صوته.

لكن الحقيقة أبسط، ليس كل رأي يستحق أن يُقال، وليس كل كلام يستحق أن يُسمع. بين أن تبحث فتفهم، وأن تتكلم فتبدو فاهمًا، فرق لا يُقاس بالكلمات، بل بصدقك مع حدودك. لذلك، ليس عيبًا أن تتوقف، أن تشك، أن تقول «لا أعلم» وتمضي. العيب الوحيد… أن تملأ الفراغ بالكلام، فقط لأنك تخاف أن يبدو صمتك أقل شأنًا من جهلٍ يتكلم.