السلطة الرابعة

رشيد حياك..جرأة الاستثمار في التلفزيون

في زمن تتراجع فيه الاستثمارات الإعلامية التقليدية أمام صعود المنصات الرقمية وشراسة المنافسة الإعلانية، يبرز اسم رشيد حياك كواحد من الفاعلين الذين اختاروا السير عكس التيار، عبر خوض مغامرة الاستثمار في التلفزيون، وهو رهان لا يجرؤ عليه إلا من يمتلك رؤية اقتصادية واضحة ونفساً طويلاً في عالم الإعلام.

رشيد حياك، المعروف في الأوساط الاقتصادية كرجل أعمال ناجح في مجال العقار، لم يكتفِ بالاستثمار في القطاعات التقليدية المضمونة، بل قرر دخول مجال الإعلام السمعي البصري من أوسع أبوابه، عبر تأسيس المجموعة الإعلامية مجموعة شدى الإعلامية التي تضم إذاعة شدى إف إم وقناة شدى تيفي، في تجربة تعكس إيماناً حقيقياً بدور الإعلام كصناعة استراتيجية وليس مجرد مشروع تجاري عابر.

الاستثمار في التلفزيون اليوم ليس قراراً سهلاً. فتكاليف الإنتاج مرتفعة، وسوق الإشهار يعرف تحولات عميقة، كما أن المنافسة لم تعد محصورة بين القنوات التقليدية فقط، بل امتدت إلى المنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي التي أصبحت تستقطب نسب مشاهدة وإعلانات متزايدة. لذلك، فإن دخول هذا المجال يتطلب جرأة مالية ورؤية بعيدة المدى، وهو ما اختار رشيد حياك المجازفة به.

نجاح تجربة إذاعة شدى إف إم لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة عمل تراكمي قائم على القرب من الجمهور، والانفتاح على فئات شبابية جديدة، واعتماد خطاب إعلامي حديث يزاوج بين الترفيه والمعلومة. هذا النجاح الإذاعي شكل الأرضية التي مهدت للانتقال نحو التلفزيون، في خطوة اعتبرها كثير من المتابعين انتقالاً طبيعياً لكنه محفوف بالمخاطر.

القناة التلفزية شدى تيفي جاءت كامتداد لمنطق الاستثمار في المحتوى، حيث لم يعد الإعلام مجرد بث صوتي أو صورة عابرة، بل منظومة متكاملة تجمع الإنتاج والتوزيع والتسويق الرقمي. وهنا تظهر أهمية الرهان الذي يقوده رشيد حياك، والذي يقوم على بناء علامة إعلامية متكاملة قادرة على المنافسة داخل سوق مغربي يعرف تحولات متسارعة.

ما يميز تجربة حياك أيضاً هو الجمع بين عقلية رجل الأعمال وخبرة المستثمر طويل النفس. فالقنوات التلفزية لا تحقق أرباحها بسرعة، بل تحتاج سنوات من البناء المؤسساتي، وتطوير المحتوى، واستقطاب الكفاءات، وتكوين هوية تحريرية واضحة. لذلك، فإن الاستثمار في التلفزيون يشبه إلى حد بعيد الاستثمار في المستقبل، وليس فقط في الحاضر.

اللافت في هذه التجربة أن دخول عالم التلفزيون لم يكن بحثاً عن الواجهة أو النفوذ الرمزي، بل خطوة محسوبة ضمن مشروع إعلامي متكامل. فالمستثمر الذي راكم خبرة في العقار يدرك جيداً معنى المخاطرة المدروسة، ويعرف أن القيمة الحقيقية لأي مشروع تكمن في استمراريته وقدرته على التطور.

وفي سياق يشهد فيه الإعلام المغربي تحديات مرتبطة بالتحول الرقمي وتراجع نموذج التمويل التقليدي، تبدو تجربة رشيد حياك رسالة واضحة مفادها أن الاستثمار في الإعلام ما زال ممكناً، شريطة توفر الجرأة والرؤية والاستعداد لتحمل كلفة البناء الطويل.

إن جرأة الاستثمار في التلفزيون ليست فقط قراراً اقتصادياً، بل موقفاً ثقافياً أيضاً. فالقنوات التلفزية تظل فضاءً لصناعة الرأي العام وتشكيل الذوق الجماعي وإبراز الإبداع الوطني. ومن هذا المنطلق، فإن تجربة رشيد حياك تعكس نموذجاً جديداً لرجل الأعمال المغربي الذي لا يكتفي بتحقيق الربح، بل يراهن على المساهمة في تطوير المشهد الإعلامي الوطني.

هكذا، يتحول اسم رشيد حياك إلى عنوان لمرحلة إعلامية مختلفة، عنوانها أن الاستثمار الحقيقي لا يقاس فقط بحجم العائدات، بل بقدرة المشروع على الصمود والتأثير. وفي عالم الإعلام، لا توجد مغامرة أكبر من الاستثمار في التلفزيون… ولا جرأة أوضح من الإيمان به في زمن التحولات الكبرى.