السلطة الرابعة

لماذا استغنى حزب الأحرار عن PR Média؟

في عالم السياسة الحديثة، لم يعد التواصل مجرد وظيفة تقنية تُسند إلى شركة علاقات عامة، بل أصبح جزءاً من صناعة القرار السياسي نفسه. الأحزاب التي تسعى إلى تصدر المشهد لا تقيس نجاحها فقط بعدد مقاعدها أو برامجها، بل بقدرتها على إدارة صورتها، التحكم في رسائلها، وبناء علاقة متوازنة مع الإعلام والرأي العام. ومن هذا المنطلق، يكتسي قرار حزب التجمع الوطني للأحرار إنهاء تعاونه مع شركة التواصل PR Média دلالات تتجاوز مجرد تغيير متعهد خدمات.

جزء من الحقيقة كشفه موقع “كود”، حين أشار إلى غياب المهنية داخل الشركة، وهو معطى لم يعد خافياً داخل الوسط الإعلامي والاتصالي. فالمشكل لم يكن مرتبطاً فقط بجودة الحملات أو ضعف الاستراتيجية التواصلية، بل بطريقة تدبير العلاقات مع الصحافيين والمنابر الإعلامية، وهي الحلقة الأكثر حساسية في أي مشروع تواصلي سياسي.

المثير في القصة أن حزب “الحمامة” لم يتجه إلى شركة بعيدة عن محيط PR Média، بل اختار شركة جديدة أسسها موظف سابق داخل نفس المؤسسة. وهذه النقطة وحدها تختصر الكثير من التفاصيل غير المعلنة: الزبناء في قطاع التواصل لا يتعاقدون مع “الشعارات التجارية” بقدر ما يتعاقدون مع الأشخاص. حين يغادر الكفاءات، يغادر معهم الزبناء أيضاً.

الرسالة هنا واضحة: القيمة الحقيقية لأي وكالة تواصل ليست في الاسم أو المقر أو شبكة العلاقات المعلنة، بل في المهنيين القادرين على فهم الصحافة، احترام استقلاليتها، وبناء جسور ثقة طويلة المدى مع الإعلاميين. وعندما تتحول المؤسسة إلى دائرة مغلقة تشتغل بمنطق الولاءات بدل الاحتراف، تبدأ مرحلة النزيف.

معطيات حصل عليها موقع “زون24” من مصادر خاصة تشير إلى أن فريق PR Média راكم خلال السنوات الماضية سوابق توتر مع عدد من الزملاء الصحافيين والمنابر الإعلامية. هذه التوترات لم تكن حوادث معزولة، بل خلقت صعوبات حقيقية في تدبير التواصل السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، خصوصاً منذ تولي عزيز أخنوش رئاسة الحزب.

فالحزب الذي حاول منذ سنوات تقديم نفسه كقوة سياسية حديثة تعتمد خطاب القرب والنجاعة، وجد نفسه أحياناً محاطاً بحواجز تواصلية صنعتها طريقة تدبير علاقاته الإعلامية. بدل تسهيل التواصل، أصبحت بعض الممارسات تُنتج سوء فهم، وتغذي الاحتقان داخل الجسم الصحافي، وهو ما يتعارض مع فلسفة الانفتاح التي حاول الحزب ترسيخها.

الأخطر أن الأزمة لم تبقَ في حدود الاختيارات المهنية، بل امتدت إلى أسلوب التعامل مع النقد الصحافي. فخلال الأسبوع الماضي، اتصل مسؤول في شركة PR Média بمدير نشر “زون24” مهدداً باللجوء إلى القضاء، وطالباً تزويد محاميه بالوثائق المعتمدة في نشر الخبر. هذا السلوك، في نظر عدد من المتتبعين، يعكس سوء فهم لطبيعة العمل الصحافي وللقواعد القانونية المؤطرة له.

الصحافة لا تشتغل بمنطق الإذن المسبق، ولا تحتاج إلى ترخيص من موضوع الخبر قبل نشره. القانون واضح: المسؤولية تُناقش أمام القضاء بعد النشر، وليس عبر محاولات الضغط أو التخويف. لذلك، فإن اللجوء السريع إلى لغة التهديد بدل تقديم توضيحات أو معطيات مضادة، يكشف أزمة ثقافة تواصلية أكثر مما يكشف خلافاً مهنياً عابراً.

قرار حزب الأحرار بالتخلي عن PR Média يبدو، وفق هذه المعطيات، محاولة لإعادة ضبط البوصلة التواصلية. الأحزاب السياسية، خصوصاً تلك التي تقود الحكومة، تدرك أن أكبر خطر يهددها ليس المعارضة فقط، بل الأخطاء التواصلية التي تُحوّل إنجازاتها إلى أزمات صورة.

السياسة اليوم تُدار في فضاء مفتوح، حيث تنتقل الأخبار بسرعة، ويصبح أي توتر مع الإعلام مضاعف الأثر. لذلك، فإن اختيار فريق تواصلي جديد يحمل أيضاً رغبة في القطع مع مرحلة طبعها الاحتكاك المستمر مع الصحافيين، والتوجه نحو نموذج أكثر مرونة وانفتاحاً.

لكن القصة لا تنتهي هنا. فملف PR Média، كما تؤكد مصادر متعددة، لا يرتبط فقط بحزب سياسي واحد، بل بطريقة اشتغال أوسع داخل سوق التواصل بالمغرب: شبكات مغلقة، توزيع محدود للفرص، وعلاقات تُبنى أحياناً على القرب أكثر مما تُبنى على الكفاءة.

ولهذا السبب، سيخصص موقع “زون24” سلسلة مقالات لكشف جوانب أخرى من هذا الملف، تتعلق بمدى المهنية داخل الشركة، طبيعة دائرتها المغلقة، وكيف تُدار علاقاتها مع المؤسسات والإعلاميين، إضافة إلى قراءة أعمق لدور شركات التواصل في التأثير على الحياة السياسية والإعلامية.

لأن السؤال الحقيقي لم يعد: لماذا استغنى حزب الأحرار عن PR Média؟

بل أصبح: كيف يمكن لقطاع التواصل أن يستعيد ثقة الفاعلين السياسيين والإعلاميين في زمن أصبحت فيه المصداقية هي العملة الوحيدة القابلة للتداول؟