كمال لحلو يعيد “إم إف إم” إلى مكانها الطبيعي

في عالم الإعلام، لا يكفي أن تمتلك مؤسسة تاريخاً عريقاً حتى تضمن الاستمرارية؛ فالمؤسسات الإذاعية، مثل الكائنات الحية، تحتاج إلى نفس جديد ورؤية قيادية قادرة على قراءة التحولات المتسارعة في سوق السمعي البصري. وهذا بالضبط ما يبدو أن كمال لحلو، الرئيس المدير العام لمجموعة إذاعات “إم إف إم”، اشتغل عليه بهدوء وثقة منذ توليه زمام التسيير، واضعاً نصب عينيه هدفاً واضحاً: إعادة الإذاعة إلى مكانتها الطبيعية داخل المشهد الإعلامي المغربي.
لم يعتمد لحلو على حلول ترقيعية أو تغييرات شكلية، بل اختار مدخلاً استراتيجياً يقوم على إعادة بناء الروح الداخلية للمؤسسة. أولى هذه الخطوات تمثلت في استقطاب كفاءات جديدة تمتلك تجربة إقليمية وخبرة مهنية قادرة على ضخ نفس حديث في آليات التواصل والتدبير. وفي هذا السياق، جاء اختيار الكفاءة التونسية بسمة سوداني، التي راكمت تجربة مهمة في مجال التواصل والإدارة، كرسالة واضحة مفادها أن المؤسسة دخلت مرحلة إعادة الهيكلة المهنية المبنية على الخبرة لا على العلاقات.
غير أن الرهان الأكبر لم يكن فقط في استقدام أسماء جديدة، بل في مصالحة المؤسسة مع ذاكرتها المهنية. فقد عمل كمال لحلو على إعادة عدد من الوجوه الإعلامية التي طالها التهميش خلال مراحل سابقة، في خطوة أعادت التوازن داخل البيت الإذاعي. هذه العودة لم تكن مجرد حنين إلى الماضي، بل محاولة ذكية للجمع بين الخبرة المتراكمة والطاقة الشبابية، وهو ما منح الإذاعة مزيجاً نادراً بين الأصالة والتجديد.
وفي السياق ذاته، راهن لحلو على الشباب باعتبارهم رهان المستقبل، حيث منحهم أدواراً فعلية في التسيير واتخاذ القرار، بدل الاكتفاء بالأدوار الثانوية. ويبرز هذا التوجه في تعيين الشابة خولة دحو على رأس إدارة البرمجة، وهي خطوة تعكس تحولاً حقيقياً في فلسفة القيادة داخل المؤسسة، قوامها الثقة في الكفاءات الصاعدة وتمكينها من صناعة هوية الإذاعة الجديدة.
التحول لم يقف عند حدود الموارد البشرية فقط، بل امتد إلى المحتوى البرامجي الذي يشكل قلب أي تجربة إذاعية ناجحة. فقد شهدت الشبكة إطلاق برامج جديدة تستجيب لانتظارات المستمع المغربي، إلى جانب إعادة إحياء برامج قديمة صنعت شهرة “إم إف إم” في مراحل سابقة. هذا المزج بين الذاكرة السمعية والتجديد البرامجي أعاد خلق علاقة وجدانية بين الإذاعة وجمهورها، بعدما شعر المستمع بأن صوته عاد مسموعاً وأن الإذاعة استعادت روحها القريبة من الناس.
ولعل أهم ما يميز المرحلة الحالية هو عودة الثقة؛ ثقة المعلنين، وثقة المهنيين، وقبل ذلك ثقة المستمعين. فالإذاعة التي عاشت فترات من التردد والارتباك التنظيمي، بدأت اليوم تستعيد وضوح خطها التحريري وهويتها التواصلية. ولم يعد حضورها مجرد استمرار إداري لمؤسسة قديمة، بل عودة فعلية لفاعل إعلامي يعرف جيداً موقعه داخل المنافسة الإذاعية الوطنية.
نجاح التجربة يكمن أيضاً في أن كمال لحلو لم يسعَ إلى إحداث قطيعة مع الماضي، بل اختار إعادة ترتيب البيت من الداخل، عبر الإصلاح التدريجي والهادئ بعيداً عن الضجيج الإعلامي. وهي مقاربة غالباً ما تكون أكثر صعوبة لكنها أكثر استدامة، لأنها تبني المؤسسات على أساس مهني صلب لا على قرارات ظرفية.
اليوم، تبدو “إم إف إم” وكأنها تستعيد نبضها الحقيقي. الإيقاع البرامجي أكثر انسجاماً، الحضور الإعلامي أكثر وضوحاً، والرهان على الكفاءات أصبح ملموساً داخل المؤسسة. وبفضل هذه الخطوات المتراكمة، عادت الإذاعة إلى مستمعيها الذين كانوا ينتظرون لحظة العودة منذ سنوات.
إن ما يحدث داخل “إم إف إم” ليس مجرد تغيير إداري عابر، بل إعادة تموقع داخل مشهد إعلامي يعرف تحولات عميقة. ومع استمرار هذه الدينامية، يبدو أن كمال لحلو نجح في ما فشل فيه كثيرون: إعادة مؤسسة إعلامية إلى مكانها الطبيعي، لا بالشعارات، بل بالعمل الهادئ والرؤية الواضحة والإيمان بأن الإعلام الحقيقي يبدأ من احترام المستمع قبل أي شيء آخر.


