افتتاحية

مشاهدٌ من حفل “سفيركم”

صار الاحتفاء بالنجاح نادراً، وتكريم الإبداع حدثاً استثنائياً بدل أن يكون عادة ثقافية راسخة، تواصل الزميلة والصديقة إبتسام مشكور، مديرة نشر موقع سفيركم، كتابة قصة مختلفة داخل المشهد الإعلامي والفني المغربي. قصة عنوانها الإصرار، وتفاصيلها الإيمان بأن الثقافة ليست ترفاً، بل ضرورة وطنية.

أول ما ينبغي قوله، وبكل وضوح، هو كلمة تهنئة صادقة لهذه السيدة التي نجحت، سنة بعد أخرى، في تحويل حفل جوائز دراما رمضان إلى موعد ينتظره الفنانون والإعلاميون والجمهور معاً. لم يعد الأمر مجرد أمسية احتفالية عابرة، بل صار تقليداً ثقافياً يتشكل بهدوء، ويكبر بثبات، ويؤسس لذاكرة فنية مغربية نحن في أمسّ الحاجة إليها.

شخصياً، أحضر هذا الحدث للموسم الثاني بعد مشاركتي في الدورة الماضية، لكن الدورة السادسة هذه السنة كانت مختلفة تماماً. الفرق لم يكن فقط في التفاصيل التنظيمية أو الأسماء المكرمة، بل في الروح العامة للحفل. هناك تطور واضح يمكن لأي متابع أن يلمسه دون عناء: تجديد في الشكل، نضج في المحتوى، وارتقاء في المضمون.

النجاح الحقيقي لأي تظاهرة لا يقاس بحجم الأضواء فقط، بل بقدرتها على التطور. وحفل “سفيركم” يقدم نموذجاً نادراً في المغرب: كل دورة تبدو أفضل من التي سبقتها، وكأن الفريق المنظم يرفض الوقوف عند منطقة الراحة. وهذا تحديداً ما يصنع الفرق بين حدث عابر ومؤسسة ثقافية حقيقية.

هذه السنة، احتضن مسرح محمد الخامس بالرباط الحفل، وكان المشهد في حد ذاته رسالة قوية. لم يبق كرسي واحد فارغاً. امتلأت القاعة عن آخرها، ليس بدعوات المجاملة، بل بحضور حقيقي يعكس تعطشاً مغربياً للاحتفاء بالفن الوطني.

ذلك المشهد وحده يلخص الكثير: الجمهور يريد الثقافة، والفنانون يريدون الاعتراف، والإعلام يبحث عن لحظات مضيئة وسط زحام الأخبار الثقيلة. وعندما تجتمع هذه العناصر الثلاثة في مكان واحد، نفهم أن الأمر تجاوز حدود حفل سنوي ليصبح حدثاً وطنياً بامتياز.

من بين أبرز نقاط قوة هذه الدورة أيضاً لجنة التحكيم، التي ترأستها الأستاذة والزميلة فاطمة الأفريقي، وهي شخصية تجمع بين الخبرة الإعلامية والرؤية النقدية الرصينة. لم تكن اللجنة مجرد واجهة شكلية، بل ضمت كفاءات قادرة على تقييم الأعمال بعيداً عن الحسابات الضيقة أو المجاملات المعتادة.

وهنا تكمن قيمة الاختيار: عندما تكون لجنة التحكيم قوية، يكتسب التتويج مصداقية. وعندما تصبح الجوائز ذات مصداقية، يتحول الحفل إلى مرجع معنوي داخل الصناعة الدرامية. الفنانون لا يبحثون فقط عن التتويج، بل عن الاعتراف المهني، وهذا ما نجحت “سفيركم” في ترسيخه تدريجياً.

من مشاهد الحفل التي تستحق التوقف عندها أيضاً، ذلك الإحساس العالي بالتنظيم. كل التفاصيل كانت محسوبة بدقة: الاستقبال، الإخراج الفني، توقيت الفقرات، انتقالات المنصة، وحتى الإيقاع العام للأمسية. لم نشهد ارتباكاً، ولم يشعر الحاضرون بالملل، وهو أمر نادر في كثير من التظاهرات الثقافية.

ولعل أحد أبرز مفاتيح نجاح الأمسية كان الحضور المهني لمنشط الحفل هشام الوالي، الذي قدم نموذجاً في التنشيط المتوازن. لا مبالغة في الأداء، ولا افتعال للضحك، بل حضور هادئ واحترافي حافظ على هيبة الحدث دون أن يفقده دفئه الإنساني.

أما “مولات العرس”، ابتسام مشكور كما وصفتها كانت كلماتها دقيقة، موزونة، ومتقنة. لم تكن خطاباتها طويلة، لكنها كانت ذكية. تحدثت بوعي من يعرف حجم المسؤولية، وبنبرة من يدرك أن النجاح ليس شخصياً، بل جماعي.

وهذا تحديداً ما يميز هذه التجربة: خلف الأضواء توجد روح فريق. حفل “سفيركم” ليس مجهود شخص واحد فقط، بل ثمرة عمل جماعي يؤمن بأن الإعلام يمكن أن يكون قوة اقتراح، لا مجرد ناقل للأحداث.

لكن وسط كل هذا النجاح، يفرض سؤال نفسه بقوة: أين المؤسسات العمومية من هذه المبادرات؟

كيف يمكن لحدث فني بهذا الحجم، يجمع نجوم الدراما المغربية، ويمنح صورة إيجابية عن الإنتاج الوطني، أن يظل معتمداً أساساً على مجهودات خاصة؟ هنا تبرز الحاجة الملحّة لأن يصبح الإعلام العمومي ووزارة الثقافة شريكين فعليين في هذا الموعد السنوي.

ليس دعماً رمزياً أو حضوراً بروتوكولياً، بل شراكة استراتيجية حقيقية. لأن دعم مثل هذه التظاهرات ليس مجاملة لمنظميها، بل استثمار في صورة المغرب الثقافية. نحن أمام تجربة أثبتت نجاحها ست مرات متتالية، وتستحق أن تتحول إلى موعد رسمي ضمن الأجندة الثقافية الوطنية.

الإعلام العمومي مطالب بأن يرى في “سفيركم” فرصة لا عبئاً. ووزارة الثقافة مطالبة بأن ترافق المبادرات الناجحة بدل انتظار مشاريع جاهزة من فوق. فالثقافة الحقيقية تولد غالباً من مبادرات مستقلة، ثم تتبناها المؤسسات عندما تدرك قيمتها.

إن دعم هذا المجهود اليوم يعني تشجيع مبادرات أخرى غداً. ويعني أيضاً إرسال رسالة واضحة مفادها أن المغرب يحتفي بمبدعيه داخل وطنهم، لا بعد اعتراف الخارج بهم.

ومن بين أجمل مشاهد الحفل أيضاً ذلك التلاقي الإنساني بين الفنانين والصحافيين والجمهور. لم يكن الحدث مجرد منصة لتوزيع الجوائز، بل مساحة لقاء، تبادل، واعتراف متبادل بين مختلف مكونات الحقل الفني والإعلامي.

في زمن السرعة الرقمية، حيث تختزل الأعمال الفنية في تعليقات عابرة على مواقع التواصل الاجتماعي، تأتي مثل هذه اللحظات لتعيد للفن طقوسه الجميلة: التصفيق، اللقاء المباشر، والاحتفاء الجماعي بالإبداع.

لهذا يمكن القول إن حفل “سفيركم” لم يعد فقط مناسبة سنوية، بل أصبح مرآة تعكس تطور الدراما المغربية نفسها. وكل دورة تؤكد أن العمل الجاد، حتى وإن بدأ بإمكانات محدودة، قادر على أن يصنع حدثاً وطنياً محترماً.

الرسالة اليوم واضحة: ادعموا هذا المجهود.

ادعموه لأن وراءه فكرة تؤمن بالمغرب الثقافي.

ادعموه لأن النجاح الذي يُبنى بالاجتهاد يستحق الاستمرارية.

ادعموه لأن الإبداع يحتاج إلى منصات تحتفي به لا إلى صمت مؤسساتي.

وفي الختام، يبقى المشهد الأجمل في حفل “سفيركم” هو ذلك الإحساس الجماعي بالفخر. فخر بأن هناك من يشتغل في صمت طوال السنة ليصنع لحظة فرح جماعي. فخر بأن الثقافة المغربية ما زالت قادرة على جمع الناس حول الجمال بدل الانقسام حول التفاهة.

كانت ليلة تؤكد أن الرهان على الثقافة لا يخسر أبداً.

وكانت أيضاً تذكيراً بأن وراء كل نجاح امرأة آمنت بفكرة… فصارت الفكرة موعداً وطنياً ينتظره الجميع.