عبد الله بوانو.. ما هكذا تُورَد الإبل

“ما هكذا يا سعدُ تُورَدُ الإبل”، مثل عربي خالد يُضرب لمن يتصدى للأمور دون تقدير صحيح لعواقبها، أو لمن يدير الشأن العام بمنطق الانفعال بدل الحكمة. وتعود قصة المثل إلى مالك بن زيد مناة التميمي الذي عاتب أخاه سعداً بعدما أساء تدبير الإبل وسقيها، فخلّد التاريخ عبارته الشهيرة: “أوردها سعد وسعد مشتمل.. ما هكذا يا سعد تورد الإبل”.
ولأن حزب العدالة والتنمية لا يفتأ يذكّر المغاربة بمرجعيته الإسلامية وباستلهامه من التراث والتاريخ، فإن من المفيد أن نستحضر هذا المثل ونحن نتابع الخرجات المتكررة لعبد الله بوانو، رئيس المجموعة النيابية للحزب بمجلس النواب.
في كل جلسة برلمانية تقريباً، يحرص بوانو على صناعة الحدث، لا عبر تقديم معارضة مؤسساتية رصينة أو بدائل سياسية واقعية، بل عبر جرعات مكثفة من البروباغندا السياسية الموجهة للهواتف الذكية ومقاطع الفيديو القصيرة التي تجد طريقها سريعاً إلى الصفحات والحسابات المحسوبة على الحزب. والغاية واضحة: تسجيل النقاط الإعلامية أكثر من ممارسة الرقابة البرلمانية بمفهومها الدستوري.
آخر خرجات بوانو أثارت الكثير من الجدل عندما تحدث عن استعمال الرصاص في مواجهة الهجوم الذي استهدف مركزاً للدرك الملكي، محاولاً تقديم الأمر وكأنه قضية مرتبطة بالاحتجاج أو التعبير السياسي. والحال أن الوقائع التي تابعتها مؤسسات الدولة والرأي العام لا تتعلق بمظاهرة سلمية ولا بحراك اجتماعي، بل باعتداء استهدف مؤسسة أمنية وممتلكات عمومية، وهي أفعال تقع في خانة المساس بأمن الدولة والنظام العام، وليس في خانة التدافع السياسي أو الاحتجاج المشروع.
الأخطر من ذلك أن بوانو ذهب إلى استحضار أحداث تعود إلى سنة 1981، في محاولة لإضفاء بعد سياسي على واقعة ذات طبيعة أمنية وقانونية. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل الهدف هو البحث عن الحقيقة أم البحث عن الإثارة السياسية؟
المزايدة السياسية حق مشروع داخل الديمقراطية، لكن لكل مزايدة حدوداً أخلاقية ووطنية. فحين يتعلق الأمر بمؤسسات الدولة وأمن المواطنين، يصبح من الواجب التحلي بقدر من المسؤولية والاتزان، لا توظيف الوقائع لخدمة أجندات انتخابية ضيقة.
والغريب أن عبد الله بوانو وحزبه يتحدثان اليوم بلهجة المدافع عن الحقوق والحريات وكأن المغاربة نسوا عشر سنوات كاملة من تدبير العدالة والتنمية للشأن الحكومي. خلال تلك المرحلة وُجهت إلى شباب حركة 20 فبراير اتهامات التخوين، وخرجت مواقف سياسية حادة تجاه حراك الريف، ووقعت اعتقالات طالت نشطاء وصحافيين، وعاشت البلاد محطات حقوقية أثارت الكثير من النقاش والانتقاد. كما أن الحزب الذي يرفع اليوم شعارات الممانعة هو نفسه الذي وقع، عبر رئيس حكومته آنذاك، على اتفاق استئناف العلاقات مع إسرائيل، في واحدة من أكثر المحطات السياسية إثارة للجدل في تاريخه.
لذلك يبدو مستغرباً أن يقدم بعض قادة الحزب أنفسهم اليوم في صورة المدافعين الحصريين عن الحقوق والحريات، متناسين أنهم كانوا في موقع القرار لعقد كامل، وأن كثيراً من الملفات التي ينتقدونها اليوم مرت تحت أنظارهم أو شاركوا في تدبيرها بشكل مباشر.
إن البرلمان ليس منصة لصناعة المقاطع الفيروسية ولا فضاء للمزايدات الشعبوية، بل مؤسسة دستورية لمساءلة الحكومة ومراقبة السياسات العمومية وفق معطيات دقيقة وحجج موضوعية. ومن حق المعارضة أن تحاسب رئيس الحكومة ووزراءه، بل إن ذلك واجبها الدستوري، لكن من واجبها أيضاً أن تميز بين النقاش السياسي المشروع وبين القضايا المرتبطة بأمن الدولة ومؤسساتها.
عبد الله بوانو سياسي مخضرم ويعرف جيداً قواعد اللعبة الديمقراطية، لكنه يدرك أيضاً أن المغاربة أصبحوا أكثر قدرة على التمييز بين المعارضة الجادة والمعارضة الاستعراضية. أما الانتخابات فلا تُربح بالصراخ ولا بالمزايدات، بل بالبرامج والمصداقية والذاكرة السياسية التي لا تمحوها خطابات اللحظة.
ولذلك، نقول لعبد الله بوانو: من حقك أن تعارض، ومن حقك أن تنتقد، ومن حقك أن تحاسب الحكومة، لكن ما هكذا تُورَد الإبل.


